الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
27
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
مضاف محذوف يضاف إليه ( دون ) نحو : جلست دون ، أي دون مكانه ، فموقع ( من ) هنا موقع الحال من أَوْلِياءَ . وأصلها صفة ل أَوْلِياءَ فلما قدمت الصفة على الموصوف صارت حالا . والمعنى : لا نتخذ أولياء لنا موصوفين بأنهم من جانب دون جانبك ، أي أنهم لا يعترفون لك بالوحدانية في الإلهية فهم يشركون معك في الإلهية . وعن ابن جني : أن ( من ) هنا زائدة . وأجاز زيادة ( من ) في المفعول . و ( من ) في قوله : مِنْ أَوْلِياءَ مزيدة لتأكيد عموم النفي ، أي استغراقه لأنه نكرة في سياق النفي . والأولياء : جمع الولي بمعنى التابع في الولاء فإن الولي يرادف المولى فيصدق على كلا طرفي الولاء ، أي على السيد والعبد ، أو الناصر والمنصور . والمراد هنا : الوليّ التابع كما في قوله : فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا في سورة مريم [ 45 ] ، أي لا نطلب من الناس أن يكونوا عابدين لنا . وقرأ الجمهور نَتَّخِذَ بالبناء للفاعل . وقرأه أبو جعفر نَتَّخِذَ بضم النون وفتح الخاء على البناء للمفعول ، أي أن يتخذنا الناس أولياء لهم من دونك . فموقع مِنْ دُونِكَ موقع الحال من ضمير نَتَّخِذَ . والمعنى عليه : أنهم يتبرّءون من أن يدعوا الناس لعبادتهم ، وهذا تسفيه للذين عبدوهم ونسبوا إليهم موالاتهم . والمعنى لا نتخذ من يوالينا دونك ، أي من يعبدنا دونك . والاستدراك الذي أفاده ( لكن ) ناشئ عن التبري من أن يكونوا هم المضلين لهم بتعقيبه ببيان سبب ضلالهم لئلا يتوهم أن تبرئة أنفسهم من إضلالهم يرفع تبعة الضلال عن الضالين . والمقصود بالاستدراك ما بعد ( حتى ) وهو نَسُوا الذِّكْرَ . وأما ما قبلها فقد أدمج بين حرف الاستدراك ومدخوله ما يسجل عليهم فظاعة ضلالهم بأنهم قابلوا رحمة اللّه ونعمته عليهم وعلى آبائهم بالكفران ، فالخبر عن اللّه بأنه متّع الضالين وآباءهم مستعمل في الثناء على اللّه بسعة الرحمة ، وفي الإنكار على المشركين مقابلة النعمة بالكفران غضبا عليهم . وجعل نسيانهم الذكر غاية للتمتيع للإيماء إلى أن ذلك التمتيع أفضى إلى الكفران لخبث نفوسهم فهو كجود في أرض سبخة قال تعالى : وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [ الواقعة : 82 ] .