الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
28
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والتعرض إلى تمتيع آبائهم هنا مع أن نسيان الذكر إنما حصل من المشركين الذين بلغتهم الدعوة المحمدية ونسوا الذكر ، أي القرآن ، هو زيادة تعظيم نعمة التمتيع عليهم بأنها نعمة متأثلة تليدة ، مع الإشارة إلى أن كفران النعمة قد انجرّ لهم من آبائهم الذين سنّوا لهم عبادة الأصنام . ففيه تعريض بشناعة الإشراك ولو قبل مجيء الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . وبهذا يظهر أن ضمير نَسُوا وضمير كانُوا عائدان إلى الظالمين المكذبين بالإسلام دون آبائهم لأن الآباء لم يسمعوا الذكر . والنسيان مستعمل في الإعراض عن عمد على وجه الاستعارة لأنه إعراض يشبه النسيان في كونه عن غير تأمل ولا بصيرة . وتقدم في قوله تعالى : وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ في سورة الأنعام [ 41 ] . والذكر : القرآن لأنه يتذكر به الحق ، وقد تقدم في قوله تعالى : وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ في سورة الحجر [ 6 ] . والبور : جمع بائر كالعوذ جمع عائذ ، والبائر : هو الذي أصابه البوار ، أي الهلاك . وتقدم في قوله تعالى : وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ [ إبراهيم : 28 ] أي الموت . وقد استعير البور لشدة سوء الحالة بناء على العرف الذي يعد الهلاك آخر ما يبلغ إليه الحي من سوء الحال كما قال تعالى : يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ [ التوبة : 42 ] ، أي سوء حالهم في نفس الأمر وهم عنه غافلون . وقيل : البوار الفساد في لغة الأزد وأنه وما اشتق منه مما جاء في القرآن بغير لغة مضر . واجتلاب فعل ( كان ) وبناء بُوراً على قَوْماً دون أن يقال : حتى نسوا الذكر وباروا للدلالة على تمكن البوار منهم بما تقتضيه ( كان ) من تمكن معنى الخبر ، وما يقتضيه ( قوما ) من كون البوار من مقومات قوميتهم كما تقدم عند قوله تعالى : لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * في سورة البقرة [ 164 ] . [ 19 ] [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 19 ] فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً ( 19 ) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً . الفاء فصيحة ، أي إفصاح عن حجة بعد تهيئة ما يقتضيها ، وهو إفصاح رائع وزاده