الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

26

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

نحشرهم أن يعود على المشركين الذين قرعتهم الآية بالوعيد وهم الذين قالوا : ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ إلى قوله : مَسْحُوراً [ الفرقان : 7 ، 8 ] ؛ لكن ما يقتضيه وصفهم ب الظَّالِمُونَ والإخبار عنهم بأنهم كذبوا بالساعة وما يقتضيه ظاهر الموصول في قوله : لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ [ الفرقان : 11 ] من شمول كل من تحقق فيه مضمون الصلة ، كل ذلك يقتضي أن يكون ضمير نحشرهم عائدا إلى لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ فيشمل المشركين الموجودين في وقت نزول الآية ومن انقرض منهم بعد بلوغ الدعوة المحمدية ومن سيأتي بعدهم من المشركين . ووصف العباد هنا تسجيل على المشركين بالعبودية وتعريض بكفرانهم حقها . والإشارة إليهم لتمييزهم من بين بقية العباد . وهذا أصل في أداء الشهادة على عين المشهود عليه لدى القاضي . وإسناد القول إلى ما يعبدون من دون اللّه يقتضي أن اللّه يجعل في الأصنام نطقا يسمعه عبدتها ، أما غير الأصنام ممن عبد من العقلاء فالقول فيهم ظاهر . وإعادة فعل ضَلُّوا في قوله : أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ ليجري على ضميرهم مسند فعلي فيفيد التقوّي في نسبة الضلال إليهم . والمعنى : أم هم ضلوا من تلقاء أنفسهم دون تضليل منكم . وحق الفعل أن يعدى ب ( عن ) ولكنه عدي بنفسه لتضمنه معنى ( أخطئوا ) ، أو على نزع الخافض . و سُبْحانَكَ تعظيم للّه تعالى في مقام الاعتراف بأنهم ينزهون اللّه عن أن يدّعوا لأنفسهم مشاركته في الإلهية . ومعنى : ما كانَ يَنْبَغِي لَنا ما يطاوعنا طلب أن نتخذ عبدة لأن ( انبغى ) مطاوع ( بغاه ) إذا طلبه . فالمعنى : لا يمكن لنا اتخاذنا أولياء ، أي عبادا ، قال تعالى : وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [ ص : 35 ] . وقد تقدم في قوله تعالى : وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً في سورة مريم [ 92 ] . وهو هنا كناية عن انتفاء طلبهم هذا الاتخاذ انتفاء شديدا ، أي نتبرأ من ذلك ، لأن نفي ( كان ) وجعل المطلوب نفيه خبرا عن ( كان ) أقوى في النفي ولذلك يسمى جحودا . والخبر مستعمل في لازم فائدته ، أي نعلم أنه لا ينبغي لنا فكيف نحاوله . ( ومن ) في قوله : مِنْ دُونِكَ للابتداء لأن أصل ( دون ) أنه اسم للمكان ، ويقدر