الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
257
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
و أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ يكون هو أول كتاب سليمان ، وأنها حكاية لكلام بلقيس . قال في « الكشف » يتبين أن قوله : إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ بيان لعنوان الكتاب وأن قوله : وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إلخ بيان لمضمون الكتاب فلا يرد سؤال كيف قدم قوله : إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ على إِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . ولم تزل نفسي غير منثلجة لهذه الوجوه في هذه الآية ويخطر ببالي أن موقع ( أن ) هذه استعمال خاص في افتتاح الكلام يعتمد عليه المتكلم في أول كلامه . وأنها المخففة من الثقيلة . وقد رأيت في بعض خطب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الافتتاح ب ( أن ) في ثاني خطبة خطبها بالمدينة في « سيرة ابن إسحاق » . وذكر السهيلي : أنّ الحمد ، مضبوط بضمة على تقدير ضمير الأمر والشأن . ولكن كلامه جرى على أن حرف ( إن ) مكسور الهمزة مشدد النون . ويظهر لي أن الهمزة مفتوحة وأنه استعمال ل ( أن ) المخففة من الثقيلة في افتتاح الأمور المهمة وأن منه قوله تعالى : وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [ يونس : 10 ] . و أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ نهي مستعمل في التهديد ولذلك أتبعته ملكة سبأ بقولها : يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي [ النمل : 32 ] . [ 32 ] [ سورة النمل ( 27 ) : آية 32 ] قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ ( 32 ) سألتهم إبداء آرائهم ما ذا تعمل تجاه دعوة سليمان . والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا مثل التي قبلها . والإفتاء : الإخبار بالفتوى وهي إزالة مشكل يعرض . وقد تقدمت عند قوله تعالى : قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ في سورة يوسف [ 41 ] . والأمر : الحال المهم ، وإضافته إلى ضميرها لأنها المخاطبة بكتاب سليمان ولأنها المضطلعة بما يجب إجراؤه من شؤون المملكة وعليها تبعة الخطأ في المنهج الذي تسلكه من السياسة ، ولذلك يقال للخليفة وللملك وللأمير ولعالم الدين : وليّ الأمر . وبهذه الثلاثة فسّر قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [ النساء : 59 ] . وقال الراعي يخاطب عبد الملك بن مروان : أوليّ أمر اللّه إنا معشر * حنفاء نسجد بكرة وأصيلا فهذا معنى قولهم لها : وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ [ النمل : 33 ] .