الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

258

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقد أفادت إضافة أَمْرِي تعريفا ، أي في الحادثة المعيّنة . ومعنى قاطِعَةً أَمْراً عاملة عملا لا تردد فيه بالعزم على ما تجيب به سليمان . وصيغة كُنْتُ قاطِعَةً تؤذن بأن ذلك دأبها وعادتها معهم ، فكانت عاقلة حكيمة مستشيرة لا تخاطر بالاستبداد بمصالح قومها ولا تعرّض ملكها لمهاوي أخطاء المستبدين . والأمر في ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً هو أيضا الحال المهم ، أي أنها لا تقضي في المهمات إلا عن استشارتهم . و تَشْهَدُونِ مضارع شهد المستعمل بمعنى حضر كقوله تعالى : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ [ البقرة : 185 ] ، أي حتى تحضرون . وشهد هذا يتعدى بنفسه إلى كل ما يحضر فاعل الفعل عنده من مكان وزمان واسم ذات ، وذلك تعدّ على التوسع لكثرته ، وحق الفعل أن يعدى بحرف الجر أو يعلق به ظرف . يقال : شهد عند فلان وشهد مجلس فلان . ويقال : شهد الجمعة . وفعل تَشْهَدُونِ هنا مستعمل كناية عن المشاورة لأنها يلزمها الحضور غالبا إذ لا تقع مشاورة مع غائب . والنون في تَشْهَدُونِ نون الوقاية وحذفت ياء المتكلم تخفيفا وألقيت كسرة النون المجتلبة لوقاية الحرف الأخير من الفعل عن أن يكون مكسورا ، ونون الوقاية دالة على المحذوف . وقرأه الجمهور بحذف الياء وصلا ووقفا . وقرأ يعقوب بإثبات الياء وصلا ووقفا . وفي قولها : حَتَّى تَشْهَدُونِ كناية عن معنى : توافقوني فيما أقطعه ، أي يصدر منها في مقاطع الحقوق والسياسة : إما بالقول كما جرى في هذه الحادثة ، وإما بالسكوت وعدم الإنكار لأن حضور المعدود للشورى في مكان الاستشارة مغن عن استشارته إذ سكوته موافقة . ولذلك قال فقهاؤنا : إن على القاضي إذا جلس للقضاء أن يقضي بمحضر أهل العلم ، أو مشاورتهم . وكان عثمان يقضي بمحضر أهل العلم وكان عمر يستشيرهم وإن لم يحضروا . وقال الفقهاء : إن سكوتهم مع حضورهم تقرير لحكمه . وليس في هذه الآية دليل على مشروعية الشورى لأنها لم تحك شرعا إليها ولا سيق مساق المدح ، ولكنه حكاية ما جرى عند أمة غير متدينة بوحي إلهي ؛ غير أن شأن القرآن فيما يذكره من القصص أن يذكر المهم منها للموعظة أو للأسوة كما قدمناه في المقدمة السابعة . فلذلك يستروح من سياق هذه الآية حسن الشورى . وتقدم ذكر الشورى في سورة