الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

249

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وتنكير امْرَأَةً وهو مفعول أول ل وَجَدْتُ له حكم المبتدأ فهو كالابتداء بالنكرة إذا أريد بالنكرة التعجب من جنسها كقولهم : بقرة تكلمت ، لأن المراد حكاية أمر عجيب عندهم أن تكون امرأة ملكة على قوم . ولذلك لم يقل : وجدتهم تملكهم امرأة . والإيتاء : الإعطاء ، وهو مشعر بأن المعطى مرغوب فيه ، وهو مستعمل في لازمه وهو النول . ومعنى أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ نالت من كل شيء حسن من شؤون الملك . فعموم كل شيء عموم عرفي من جهتين يفسره المقام كما فسر قول سليمان أُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [ النمل : 16 ] ، أي أوتيت من خصال الملوك ومن ذخائرهم وعددهم وجيوشهم وثراء مملكتهم وزخرفها ونحو ذلك من المحامد والمحاسن . وبناء فعل أُوتِيَتْ إلى المجهول إذ لا يتعلق الغرض بتعيين أسباب ما نالته بل المقصود ما نالته على أن الوسائل والأسباب شتى ، فمنه ما كان إرثا من الملوك الذين سلفوها ، ومنه ما كان كسبا من كسبها واقتنائها ، ومنه ما وهبها اللّه من عقل وحكمة ، وما منح بلادها من خصب ووفرة مياه . وقد كان اليونان يلقبون مملكة اليمن بالعربية السعيدة أخذا من معنى اليمن في العربية ، وقال تعالى : لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ [ سبأ : 15 ] . وأما رجاحة العقول ففي الحديث : « أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة ، الإيمان يمان ، والحكمة يمانية » فليس المراد خصوص ما آتاها اللّه في أصل خلقتها وخلقة أمتها وبلادها ، ولذا فلم يتعين الفاعل عرفا . وكلّ من عند اللّه . وخص من نفائس الأشياء عرشها إذ كان عرشا بديعا ولم يكن لسليمان عرش مثله . وقد جاء في الإصحاح العاشر من سفر الملوك الأول ما يقتضي أن سليمان صنع كرسيّه البديع بعد أن زارته ملكة سبأ . وسنشير إليه عند قوله تعالى : أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها [ النمل : 38 ] . والعظيم : مستعمل في عظمة القدر والنفاسة في ضخامة الهيكل والذات . وأعقب التنويه بشأنها بالحط من حال اعتقادهم إذ هم يسجدون ، أي يعبدون الشمس . ولأجل الاهتمام بهذا الخبر أعيد فعل وجدتها إنكارا لكونهم يسجدون للشمس ، فذلك من انحطاط العقلية الاعتقادية فكان انحطاطهم في الجانب الغيبي من التفكير وهو ما يظهر فيه تفاوت عوض العقول على الحقائق لأنه جانب متمحّض لعمل الفكر لا يستعان فيه بالأدلة