الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
250
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
المحسوسة ، فلا جرم أن تضل فيه عقول كثير من أهل العقول الصحيحة في الشؤون الخاضعة للحواس . قال تعالى في المشركين يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ * أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ [ الروم : 7 ، 8 ] وكان عرب اليمن أيامئذ من عبدة الشمس ثم دخلت فيهم الديانة اليهودية في زمن تبّع أسعد من ملوك حمير ، ولكونهم عبدة شمس كانوا يسمون عبد شمس كما تقدم في اسم سبأ . وقد جمع هذا القول الذي ألقي إلى سليمان أصول الجغرافية السياسية من صفة المكان والأديان ، وصبغة الدولة وثروتها ، ووقع الاهتمام بأخبار مملكة سبأ لأن ذلك أهم لملك سليمان إذ كانت مجاورة لمملكته يفصل بينهما البحر الأحمر ، فأمور هذه المملكة أجدى بعمله . وقرأ الجمهور : مِنْ سَبَإٍ بالصرف . وقرأه أبو عمرو والبزي عن ابن كثير بفتحة غير مصروف على تأويل البلاد أو القبيلة . وقرأه قنبل عن ابن كثير بسكون الهمزة على اعتبار الوقف إجراء للوصل مجرى الوقف . وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ ( 25 ) اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ( 26 ) . يجوز أن يكون هذا من جملة الكلام الذي ألقي على لسان الهدهد ، فالواو للعطف . والأظهر أنه كلام آخر من القرآن ذيّل به الكلام الملقى إلى سليمان ، فالواو للاعتراض بين الكلام الملقى لسليمان وبين جواب سليمان ، والمقصود التعريض بالمشركين . وقوله : أَلَّا يَسْجُدُوا قرأه الجمهور بتشديد اللام على أنه مركب في الخط من ( أن ) و ( لا ) النافية كتبتا كلمة واحدة اعتبارا بحالة النطق بها على كل المعاني المرادة منها . و يَسْجُدُوا فعل مضارع منصوب . ويقدر لام جر يتعلق ب فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ أي صدهم لأجل أن لا يسجدوا للّه ، أي فسجدوا للشمس . ويجوز أن يكون المصدر المسبوك من أَلَّا يَسْجُدُوا بدل بعض من أَعْمالَهُمْ وما بينهما اعتراض .