الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
23
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
و مُقَرَّنِينَ حال من ضمير أُلْقُوا أي مقرّنا بعضهم في بعض كحال الأسرى والمساجين أن يقرن عدد منهم في وثاق واحد ، كما قال تعالى : وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ [ ص : 38 ] . والمقرّن : المقرون ، صيغت له مادة التفعيل للإشارة إلى شدة القرن . والدعاء : النداء بأعلى الصوت ، والثبور : الهلاك ، أي نادوا : يا ثبورنا ، أو وا ثبوراه بصيغة الندبة ، وعلى كلا الاحتمالين فالنداء كناية عن التمني ، أي تمنوا حلول الهلاك فنادوه كما ينادى من يطلب حضوره ، أو ندبوه كما يندب من يتحسر على فقده ، أي تمنوا الهلاك للاستراحة من فظيع العذاب . وجملة : لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً إلى آخرها مقولة لقول محذوف ، أي يقال لهم ، ووصف الثبور بالكثير إما لكثرة ندائه بالتكرير وهو كناية عن عدم حصول الثبور لأن انتهاء النداء يكون بحضور المنادى ، أو هو يأس يقتضي تكرير التمني أو التحسر . [ 15 ، 16 ] [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 15 إلى 16 ] قُلْ أَ ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً ( 15 ) لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلاً ( 16 ) الأمر بالقول يقتضي مخاطبا مقولا له ذلك : فيجوز أن يقصد : قل لهم ، أي للمشركين الذين يسمعون الوعيد والتهديد السابق : « أذلك خير أم الجنة » ؟ فالجمل متصلة السياق ، والاستفهام حينئذ للتهكم إذ لا شبهة في كون الجنة الموصوفة خيرا . ويجوز أن يقصد : قل للمؤمنين ، فالجملة معترضة بين آيات الوعيد لمناسبة إبداء البون بين حال المشركين وحال المؤمنين ، والاستفهام حينئذ مستعمل في التلميح والتلطف . وهذا كقوله : أَ ذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ في سورة الصافات [ 62 ] . والإشارة إلى المكان الضيق في جهنم . و خَيْرٌ اسم تفضيل ، وأصله ( أخير ) بوزن اسم التفضيل فحذفت الهمزة لكثرة الاستعمال . والتفضيل على المحمل الأول في موقع الآية مستعمل للتهكم بالمشركين . وعلى المحمل الثاني مستعمل للتمليح في خطاب المؤمنين وإظهار المنة عليهم . ووصف الموعودين بأنهم متقون على المحمل الأول جار على مقتضى الظاهر ، وعلى المحمل الثاني جار على خلاف مقتضى الظاهر لأن مقتضى الظاهر أن يؤتى بضمير الخطاب ، فوجه العدول إلى الإظهار ما يفيده الْمُتَّقُونَ من العموم للمخاطبين ومن