الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
24
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
يجيء بعدهم . وجملة : كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً تذييل لجملة : جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ لما فيها من التنويه بشأن الجنة بتنكير جَزاءً وَمَصِيراً مع الإيماء إلى أنهم وعدوا بها وعد مجازاة على نحو قوله تعالى : نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً [ الكهف : 31 ] وقوله : بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً في سورة الكهف [ 31 - 29 ] . وجملة : لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ ، حال من جَنَّةُ الْخُلْدِ أو صفة ثانية . وجملة : كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلًا حال ثانية والرابط محذوف إذ التقدير : وعدا لهم . والضمير المستتر في : كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً عائد إما إلى الوعد المفهوم من قوله : الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ، أي كان الوعد وعدا مسؤولا وأخبر عن الوعد ب وَعْداً وهو عينه ليبنى عليه مَسْؤُلًا . ويجوز أن يعود الضمير إلى ما يَشاؤُنَ والإخبار عنه ب وَعْداً من الإخبار بالمصدر والمراد المفعول كالخلق بمعنى المخلوق . ويتعلق : عَلى رَبِّكَ ب وَعْداً لتضمين وَعْداً معنى ( حقّا ) لإفادة أنه وَعْداً لا يخلف كقوله تعالى وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ [ الأنبياء : 104 ] . والمسؤول : الذي يسأله مستحقه ويطالب به ، أي حقّا للمتقين أن يترقبوا حصوله كأنه أجر لهم عن عمل . وهذا مسوق مساق المبالغة في تحقيق الوعد والكرم كما يشكرك شاكر على إحسان فتقول : ما أتيت إلا واجبا ، إذ لا يتبادر هنا غير هذا المعنى ، إذ لا معنى للوجوب على اللّه تعالى سوى أنه تفضل وتعهد به ، ولا يختلف في هذا أهل الملة وإنما اختلفوا في جواز إخلاف الوعد . [ 17 ، 18 ] [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 17 إلى 18 ] وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَ أَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ ( 17 ) قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً ( 18 ) عطف ويوم نحشرهم إما على جملة : قُلْ أَ ذلِكَ خَيْرٌ [ الفرقان : 15 ] إن كان المراد : قل للمشركين ، أو عطف على جملة : وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً [ الفرقان : 11 ] على جواز أن المراد : قل للمؤمنين .