الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
204
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بإبطال ما ألصقوه بالقرآن من بهتانهم ، لا جرم اقتضى ذلك ثبوت ما جاء به القرآن . وأصل ذلك هو إبطال دين الشرك الذي تقلدته قريش وغيرها وناضلت عليه بالأكاذيب ؛ فناسب أن يتفرع عليه النهي عن الإشراك باللّه والتحذير منه . فقوله : فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ خطاب لغير معيّن فيعمّ كل من يسمع هذا الكلام ، ويجوز أن يكون الخطاب موجها إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لأنه المبلغ عن اللّه تعالى فللاهتمام بهذا النهي وقع توجيهه إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مع تحقق أنه منته عن ذلك ، فتعين أن يكون النهي للذين هم متلبسون بالإشراك ، ونظير هذا قوله تعالى : وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ [ الزمر : 65 ] . والمقصود من مثل ذلك الخطاب غيره ممن يبلغه الخطاب . فالمعنى : فلا تدعوا مع اللّه إلها آخر فتكونوا من المعذبين . وفي هذا تعريض بالمشركين أنهم سيعذبون للعلم بأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه غير مشركين . [ 214 ] [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 214 ] وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ( 214 ) عطف على قوله : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ [ الشعراء : 193 ، 194 ] ، فهو تخصيص بعد تعميم للاهتمام بهذا الخاص . ووجه الاهتمام أنهم أولى الناس بقبول نصحه وتعزيز جانبه ولئلا يسبق إلى أذهانهم أن ما يلقيه الرسول من الغلظة في الإنذار وأهوال الوعيد لا يقع عليهم لأنهم قرابة هذا المنذر وخاصته . ويدل على هذا قوله صلّى اللّه عليه وسلّم في ندائه لهم : « لا أغني عنكم من اللّه شيئا » ، وأن فيه تعريضا بقلة رعي كثير منهم حق القرابة إذ آذاه كثير منهم وعصوه مثل أبي لهب فلا يحسبوا أنهم ناجون في الحالتين وأن يعلموا أنهم لا يكتفى من مؤمنهم بإيمانه حتى يضم إليه العمل الصالح ؛ فهذا مما يدخل في النذارة ، ولذلك دعا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عند نزول هذه الآية قرابته مؤمنين وكافرين . ففي حديث عائشة وابن عباس وأبي هريرة في « صحيحي البخاري ومسلم » يجمعها قولهم : « لمّا نزلت وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ قام رسول اللّه على الصّفا فدعا قريشا فجعل ينادي : يا بني فهر يا بني عديّ ، لبطون قريش حتى اجتمعوا ، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو ، فقال : يا معشر قريش ، فعمّ وخص ، يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني مرّة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني