الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
197
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
نصف مسمى درهم فكما يطلق اسم الشيء على معناه نحو إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [ فاطر : 10 ] وقوله : وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ [ مريم : 41 ] أي أحواله ، كذلك يطلق ضمير الاسم على معناه ، فالمعنى : أن ما جاء به القرآن موجود في كتب الأولين . وهذا كقول الإنجيل آنفا « ويذكّركم بكل ما قلته لكم » ، ولا تجد شيئا من كلام المسيح عليه السلام المسطور في الأناجيل غير المحرف عنه إلا وهو مذكور في القرآن ، فيكون الضمير باعتبار بعضه كقوله : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً [ الشورى : 13 ] الآية . والمقصود : أن ذلك آية على صدق أنه من عند اللّه . وهذا معنى كون القرآن مصدّقا لما بين يديه . وقوله : أَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ تنويه ثالث بالقرآن وحجة على التنويه الثاني به الذي هو شهادة كتب الأنبياء له بالصدق ، بأن علماء بني إسرائيل يعلمون ما في القرآن مما يختص بعلمهم ، فباعتبار كون هذه الجملة تنويها آخر بالقرآن عطفت على الجملة التي قبلها ولولا ذلك لكان مقتضى كونها حجة على صدق القرآن أن لا تعطف . وفعل : يَعْلَمَهُ شامل للعلم بصفة القرآن ، أي تحقق صدق الصفات الموصوف بها من جاء به ، وشامل للعلم بما يتضمنه ما في كتبهم . وضمير أَنْ يَعْلَمَهُ عائد إلى القرآن على تقدير : أن يعلم ذكره . ويجوز أن يعود على الحكم المذكور في قوله : وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ . [ 198 ، 199 ] [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 198 إلى 199 ] وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ ( 198 ) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ( 199 ) كان من جملة مطاعن المشركين في القرآن أنه ليس من عند اللّه ، ويقولون : تقوله محمد من عند نفسه ، وقالوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها [ الفرقان : 5 ] فدمغهم اللّه بأن تحدّاهم بالإتيان بمثله فعجزوا . وقد أظهر اللّه بهتانهم في هذه الآية بأنهم إنما قالوا ذلك حيث جاءهم بالقرآن رسول عربي ، وأنه لو جاءهم بهذا القرآن رسول أعجمي لا يعرف العربية بأن أوحى اللّه بهذه الألفاظ إلى رسول لا يفهمها ولا يحسن تأليفها فقرأه عليهم ، وفي قراءته وهو لا يحسن