الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

198

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

اللغة أيضا خارق عادة ؛ لو كان ذلك لما آمنوا بأنه رسول مع أن ذلك خارق للعادة فزيادة قوله : عَلَيْهِمْ زيادة بيان في خرق العادة . يعني أن المشركين لا يريدون مما يلقونه من المطاعن البحث عن الحق ولكنهم أصروا على التكذيب وطفقوا يتحملون أعذارا لتكذيبهم جحودا للحق وتسترا من اللائمين . وجملة : وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ معطوفة على جملة : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ إلى قوله : بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [ الشعراء : 193 - 195 ] لأن قوله : عَلى قَلْبِكَ أفاد أنه أوتيه من عند اللّه وأنه ليس من قول النبي لا كما يقول المشركون : تقوّله ، كما أشرنا إليه آنفا . فلما فرغ من الاستدلال بتعجيزهم فضح نياتهم بأنهم لا يؤمنون به في كل حال ، قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كلمات رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ [ يونس : 96 ، 97 ] . و الْأَعْجَمِينَ جمع أعجم . والأعجم : الشديد العجمة ، أي لا يحسن كلمة بالعربية ، وهو هنا مرادف أعجمي بياء النسب فيصح في جمعه على أعجمين اعتبار أنه لا حذف فيه باعتبار جمع أعجم كما قال حميد بن ثور يصف حمامة : ولم أر مثلي شاقه لفظ مثلها * ولا عربيا شاقه لفظ أعجما ويصح اعتبار حذف ياء النسب للتخفيف . وأصله : الأعجميين كما في الشعر المنسوب إلى أبي طالب : وحيث ينيخ الأشعرون رحالهم * بملقى السيول بين ساف ونائل أي الأشعريون ، وعلى هذين الاعتبارين يحمل قول النابغة : فعودا له غسان يرجون أوبه * وترك ورهط الأعجمين وكابل [ 200 - 203 ] [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 200 إلى 203 ] كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ( 200 ) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ ( 201 ) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 202 ) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ ( 203 ) تقدم نظير أول هذه الآية في سورة الحجر [ 12 ] ، إلّا أن آية الحجر قيل فيها : كَذلِكَ نَسْلُكُهُ وفي هذه الآية قيل سَلَكْناهُ ، والمعنى في الآيتين واحد ، والمقصود منهما واحد ، فوجه اختيار المضارع في آية الحجر أنه دال على التجدد لئلا يتوهم أن