الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

171

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وعطف قوله : وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ على قوله : وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ فبعد أن أبطل مقتضى طردهم صرح بأنه لا يفعله . وجملة : إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ استئناف في معنى التعليل ، أي لأن وصفي يصرفني عن موافقتكم . والمبين : من أبان المتعدي بمعنى بيّن ووضّح . والقصر إضافي وهو قصر موصوف على صفة . وقد تقدم في سورة هود حكاية موقف لنوح عليه السلام مع قومه شبيه بما حكي هنا وبين الحكايتين اختلاف ما ، فلعلهما موقفان أو هما كلامان في موقف واحد حكي أحدهما هنالك والآخر هنا على عادة قصص القرآن ، فما في إحدى الآيتين من زيادة يحمل على أنه مكمل لما في الأخرى . [ 116 - 120 ] [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 116 إلى 120 ] قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ ( 116 ) قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ ( 117 ) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 118 ) فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ( 119 ) ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ ( 120 ) لما أعياهم الاستدلال صاروا إلى سلاح المبطلين وهو المناضلة بالأذى . والرجم : الرمي بالحجارة ، وقد غلب استعماله في القتل به ، و مِنَ الْمَرْجُومِينَ يفيد من بين الذين يعاقبون بالرجم ، أي من فئة الدعّار الذين يستحقون الرجم ، كما تقدم في قوله : وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ في سورة الأنعام [ 56 ] . وقوله : إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ تمهيد للدعاء عليهم وهو خبر مستعمل في إنشاء التحسر واليأس من إقلاعهم عن التكذيب . والفتح : الحكم ، وتأكيده ب فَتْحاً لإرادة حكم شديد ، وهو الاستئصال ولذلك أعقبه بالاحتراس بقوله : وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . و الْمَشْحُونِ : المملوء . و ثُمَّ للتراخي الرتبي في الإخبار لأن إغراق أمة كاملة أعظم دلالة على عظيم القدرة من إنجاء طائفة من الناس .