الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
170
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والمعنى : أن اللّه هو الذي يتولّى معاملتهم بما أسلفوا وما يعملون وبحقائق أعمالهم . وهذا المقال اقتضاه قوله : وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ من شموله جميع أعمالهم الظاهرة والباطنة التي منها ما يحاسبون عليه وهو الأهم عند الرسول المشرّع ، فلذلك لما قال : وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ أتبعه بقوله : إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي على عادة أهل الإرشاد في عدم إهمال فرصته . وهذا كقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « فإذا قالوها ( أي لا إله إلا اللّه ) عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على اللّه » ، أي تحقيق مطابقة باطنهم لظاهرهم على اللّه . وزاد نوح قوله بيانا بقوله : وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ * إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ وبيّن هذا المعنى قوله في الآية الأخرى اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ في سورة هود [ 31 ] . والقصر في قوله : إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي قصر موصوف على الصفة ، والموصوف هو حِسابُهُمْ والصفة هي عَلى رَبِّي ، لأن المجرور الخبر في قوة الوصف ، فإن المجرورات والظروف الواقعة أخبارا تتضمن معنى يتصف به المبتدأ وهو الحصول والثبوت المقدر في الكلام بكائن أو مستقر كما بيّنه علماء النحو . والتقدير : حسابهم مقصور على الاتصاف بمدلول عَلى رَبِّي . وكذلك قدّره السكاكي في « المفتاح » ، وهو قصر إفراد إضافي ، أي لا يتجاوز الكون على ربي إلى الاتصاف بكونه عليّ . وهو رد لما تضمنه كلام قومه من مطالبته بإبعاد الذين آمنوا لأنهم لا يستحقون أن يكونوا مساوين لهم في الإيمان الذي طلبه نوح من قومه . وقوله : لَوْ تَشْعُرُونَ تجهيل لهم ورغم لغرورهم وإعجابهم الباطل . وجواب لَوْ محذوف دل عليه ما قبله . والتقدير : لو تشعرون لشعرتم بأن حسابهم على اللّه لا عليّ فلما سألتمونيه . ودل على أنه جهّلهم قوله في سورة هود [ 29 ] وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ « 1 » . هذا هو التفسير الذي يطابق نظم الآية ومعناها من غير احتياج إلى زيادات وفروض . والمفسرون نحوا منحى تأويل الْأَرْذَلُونَ أنهم الموصوفون بالرذالة الدنية ، أي الطعن في صدق إيمان من آمن به ، وجعلوا قوله : وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ تبرّءوا من الكشف على ضمائرهم وصحة إيمانهم . ولعل الذي حملهم على ذلك هو لفظ الحساب في قوله : إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي ، فحملوه على الحساب الذي يقع يوم الجزاء وذلك لا يثلج له الصدر .
--> ( 1 ) في المطبوعة : ( ولكنكم قوم تجهلون ) وهو خطأ ، والمثبت هو الصواب واللّه أعلم .