الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

109

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ 2 ] [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 2 ] تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ ( 2 ) الإشارة إلى الحاضر في الأذهان من آيات القرآن المنزّل من قبل ، وبيّنه الإخبار عن اسم الإشارة بأنها آيات الكتاب . ومعنى الإشارة إلى آيات القرآن قصد التحدّي بأجزائه تفصيلا كما قصد التحدي بجميعه إجمالا . والمعنى : هذه آيات القرآن تقرأ عليكم وهي بلغتكم وحروف هجائها فأتوا بسورة من مثلها ودونكموها . والكاف المتصلة باسم الإشارة للخطاب وهو خطاب لغير معيّن من كل متأهل لهذا التحدي من بلغائهم . و الْمُبِينِ الظاهر ، وهو من أبان مرادف بان ، أي تلك آيات الكتاب الواضح كونه من عند اللّه لما فيه من المعاني العظيمة والنظم المعجز ، وإذا كان الكتاب مبينا كانت آياته المشتمل عليها آيات مبينة على صدق الرسل بها . ويجوز أن يكون الْمُبِينِ من أبان المتعدي ، أي الذي يبيّن ما فيه من معاني الهدى والحق وهذا من استعمال اللفظ في معنييه كالمشترك . والمعنى : أن ما بلغكم وتلي عليكم هو آيات القرآن المبين ، أي البيّن صدقه ودلالته على صدق ما جاء به ما لا يجحده إلا مكابر . [ 3 ] [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 3 ] لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 3 ) حوّل الخطاب من توجيهه إلى المعاندين إلى توجيهه للرسول عليه الصلاة والسلام . والكلام استئناف بياني جوابا عما يثيره مضمون قوله : تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ [ الشعراء : 2 ] من تساؤل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في نفسه عن استمرار إعراض المشركين عن الإيمان وتصديق القرآن كما قال تعالى : فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً [ الكهف : 6 ] ، وقوله : فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ [ فاطر : 8 ] . و ( لعلّ ) إذا جاءت في ترجّي الشيء المخوف سميت إشفاقا وتوقعا . وأظهر الأقوال أن الترجي من قبيل الخبر ، وأنه ليس بإنشاء مثل التمني . والترجي مستعمل في الطلب ، والأظهر أنه حثّ على ترك الأسف من ضلالهم على طريقة تمثيل شأن المتكلم الحاثّ على الإقلاع بحال من يستقرب حصول هلاك المخاطب إذا استمر على ما هو فيه من الغم .