الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
110
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والباخع : القاتل . وحقيقة البخع إعماق الذبح . يقال : بخع الشاة ، قال الزمخشري : إذا بلغ بالسكين البخاع بالموحدة المكسورة وهو عرق مستبطن الفقار ، كذا قال في « الكشاف » هنا وذكره أيضا في « الفائق » . وقد تقدم ما فيه عند قوله تعالى : فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ في سورة الكهف [ 6 ] . وهو هنا مستعار للموت السريع ، والإخبار عنه ب باخِعٌ تشبيه بليغ . وفي باخِعٌ ضمير المخاطب هو الفاعل . و أَلَّا يَكُونُوا في موضع نصب على نزع الخافض بعد ( أن ) والخافض لام التعليل ، والتقدير : لأن لا يكونوا مؤمنين ، أي لانتفاء إيمانهم في المستقبل ، لأنّ ( أن ) تخلص المضارع للاستقبال . والمعنى : أنّ غمك من عدم إيمانهم فيما مضى يوشك أن يوقعك في الهلاك في المستقبل بتكرر الغم والحزن ، كقول إخوة يوسف لأبيهم لما قال يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ [ يوسف : 84 ] فقالوا : تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ [ يوسف : 85 ] ؛ فوزان هذا المعنى وزان معنى قوله في سورة الكهف [ 6 ] فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً ، فإن ( إن ) الشرطية تتعلق بالمستقبل . ويجوز أن يجعل أَلَّا يَكُونُوا في موضع الفاعل ل باخِعٌ والجملة خبر ( لعلّ ) . وإسناد باخِعٌ إلى أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ مجاز عقلي لأن عدم إيمانهم جعل سببا للبخع . وجيء بمضارع الكون للإشارة إلى أنه لا يأسف على عدم إيمانهم ولو استمر ذلك في المستقبل فيكون انتفاؤه فيما مضى أولى بأن لا يؤسف له . وحذف متعلق مُؤْمِنِينَ ؛ إما لأن المراد مؤمنين بما جئت به من التوحيد والبعث وتصديق القرآن وتصديق الرسول ، وإما لأنه أريد بمؤمنين المعنى اللّقبي ، أي أن لا يكونوا في عداد الفريق المعروف بالمؤمنين وهم أمة الإسلام . وضمير أَلَّا يَكُونُوا عائد إلى معلوم من المقام وهم المشركون الذين دعاهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وعدل عن : أن لا يؤمنوا ، إلى أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ لأن في فعل الكون دلالة على الاستمرار زيادة على ما أفادته صيغة المضارع ، فتأكّد استمرار عدم إيمانهم الذي هو مورد الإقلاع عن الحزن له . وقد جاء في سورة الكهف [ 6 ] فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ بحرف نفي الماضي وهو ( لم ) لأن سورة الكهف متأخرة النزول عن سورة الشعراء فعدم إيمانهم قد تقرر حينئذ وبلغ حدّ المأيوس منه . وضمير يَكُونُوا عائد إلى معلوم من مقام التحدّي الحاصل بقوله : طسم تِلْكَ