الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

102

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

في الإسلام وأن يهتدي الناس إليه بواسطتهم . والإمام أصله : المثال والقالب الذي يصنع على شكله مصنوع من مثله ، قال النابغة : أبوه قبله وأبو أبيه * بنوا مجد الحياة على إمام وأطلق الإمام على القدوة تشبيها بالمثال والقالب ، وغلب ذلك فصار الإمام بمعنى القدوة . وقد تقدم في قوله تعالى : قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً في سورة البقرة [ 124 ] . ووقع الإخبار ب إِماماً وهو مفرد عن ضمير جماعة المتكلمين لأن المقصود أن يكون كل واحد منهم إماما يقتدى به ، فالكلام على التوزيع ، أو أريد من إمام معناه الحقيقي وجرى الكلام على التشبيه البليغ . وقيل إمام جمع ، مثل هجان وصيام ومفرده : إمّ . [ 75 ، 76 ] [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 75 إلى 76 ] أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً ( 75 ) خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً ( 76 ) التصدير باسم الإشارة للتنبيه على أن ما يرد بعده كانوا أحرياء به لأجل ما ذكر قبل اسم الإشارة . وتلك مجموع إحدى عشرة خصلة وهي : التواضع ، والحلم ، والتهجد ، والخوف ، وترك الإسراف ، وترك الإقتار ، والتنزه عن الشرك ، وترك الزنا ، وترك قتل النفس ، والتوبة ، وترك الكذب ، والعفو عن المسئ ، وقبول دعوة الحق ، وإظهار الاحتياج إلى اللّه بالدعاء . واسم الإشارة هو الخبر عن قوله وَعِبادُ الرَّحْمنِ [ الفرقان : 63 ] كما تقدم على أرجح الوجهين . و الْغُرْفَةَ : البيت المعتلي يصعد إليه بدرج وهو أعزّ منزلا من البيت الأرضي . والتعريف في الغرفة تعريف الجنس فيستوي فيه المفرد والجمع مثل قوله تعالى : وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ [ الحديد : 25 ] فالمعنى : يجزون الغرف ، أي من الجنة ، قال تعالى : وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ [ سبأ : 37 ] . والباء للسببية . و ( ما ) مصدرية في قوله : بِما صَبَرُوا ، أي بصبرهم وهو صبرهم على ما لقوا من المشركين من أذى ، وصبرهم على كبح شهواتهم لأجل إقامة شرائع الإسلام ، وصبرهم على مشقة الطاعات . وقرأ الجمهور : وَيُلَقَّوْنَ بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف المفتوحة مضارع