الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
103
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
لقّاه إذا جعله لاقيا . وقرأه حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلف وَيُلَقَّوْنَ بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف المفتوحة مضارع لقي . واللّقيّ واللّقاء : استقبال شيء ومصادفته ، وتقدم في قوله تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ في سورة البقرة [ 223 ] ، وفي قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً في سورة الأنفال [ 15 ] ، وتقدم قريبا قوله تعالى : وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً [ الفرقان : 68 ] . وقد استعير اللّقيّ لسماع التحية والسلام ، أي أنهم يسمعون ذلك في الجنة من غير أن يدخلوا على بأس أو يدخل عليهم بأس بل هم مصادفون تحية إكرام وثناء مثل تحيات العظماء والملوك التي يرتلها الشعراء والمنشدون . ويجوز أن يكون إطلاق اللّقيّ لسماع ألفاظ التحية والسلام لأجل الإيماء إلى أنهم يسمعون التحية من الملائكة يلقونهم بها ، فهو مجاز بالحذف قال تعالى : وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ في سورة الأنبياء [ 103 ] . وقوله : حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً هو ضدّ ما قيل في المشركين إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً [ الفرقان : 66 ] . والتحية تقدمت في قوله : وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ في سورة النساء [ 86 ] ، وفي قوله : وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ في سورة يونس [ 10 ] ، وقوله : تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً في آخر النور [ 61 ] . [ 77 ] [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 77 ] قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً ( 77 ) لما استوعبت السورة أغراض التنويه بالرسالة والقرآن ، وما تضمنته من توحيد اللّه ، ومن صفة كبرياء المعاندين وتعلّلاتهم ، وأحوال المؤمنين ، وأقيمت الحجج الدامغة للمعرضين ، ختمت بأمر اللّه رسوله عليه الصلاة والسلام أن يخاطب المشركين بكلمة جامعة يزال بها غرورهم وإعجابهم بأنفسهم وحسبانهم أنهم قد شفوا غليلهم من الرسول بالإعراض عن دعوته وتورّكهم في مجادلته ؛ فبيّن لهم حقارتهم عند اللّه تعالى وأنه ما بعث إليهم رسوله وخاطبهم بكتابه إلا رحمة منه بهم لإصلاح حالهم وقطعا لعذرهم فإذ كذّبوا فسوف يحلّ بهم العذاب . و ما من قوله : ما يَعْبَؤُا بِكُمْ نافية . وتركيب : ما يعبأ به ، يدل على التحقير ، وضده عبأ به يفيد الحفاوة .