الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

101

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

العقول من سماع أشهب من كتاب الصلاة : إنه لا بأس بذلك إذا كان أوله للّه ( أي القصد الأول من العمل للّه ) . وقال ابن رشد في موضع آخر من « شرحه » قال اللّه تعالى : وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي [ طه : 39 ] ، وقال : وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ [ الشعراء : 84 ] . وقال الشاطبي في « الموافقات » : « عد مالك ذلك من قبيل الوسوسة ، أي أن الشيطان باقي للإنسان إذا سرّه مرأى الناس له على الخير فيقول لك : إنك لمراء . وليس كذلك وإنما هو أمر يقع في قلبه لا يملك » اه . وفي « المعيار » عن كتاب « سراج المريدين » لأبي بكر بن العربي قال : سألت شيخنا أبا منصور الشيرازي الصوفي عن قوله تعالى : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا [ البقرة : 160 ] ما بيّنوا ؟ قال : أظهروا أفعالهم للناس بالصلاح والطاعات . قال الشاطبي : وهذا الموضع محل اختلاف إذا كان القصد المذكور تابعا لقصد العبادة . وقد التزم الغزالي فيها وفي أشباهها أنها خارجة عن الإخلاص لكن بشرط أن يصير العمل أخفّ عليه بسبب هذه الأغراض . وأما ابن العربي فذهب إلى خلاف ذلك وكأنّ مجال النظر يلتفت إلى انفكاك القصدين ، على أن القول بصحة الانفكاك فيما يصح فيه الانفكاك أوجه لما جاء من الأدلة على ذلك ، إلى آخره . و مِنْ في قوله : مِنْ أَزْواجِنا للابتداء ، أي اجعل لنا قرّة أعين تنشأ من أزواجنا وذرّياتنا . وقرأ الجمهور : وَذُرِّيَّاتِنا جمع ذرية ، والجمع مراعى فيه التوزيع على الطوائف من الذين يدعون بذلك ، وإلا فقد يكون لأحد الداعين ولد واحد . وقرأه أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ويعقوب وخلف و ذُرِّيَّتِنا بدون ألف بعد التحتية ، ويستفاد معنى الجمع من الإضافة إلى ضمير الَّذِينَ يَقُولُونَ ، أي ذرية كل واحد . والأعين : هي أعين الداعين ، أي قرة أعين لنا . وإذ قد كان الدعاء صادرا منهم جميعا اقتضى ذلك أنهم يريدون قرة أعين جميعهم . وكما سألوا التوفيق والخير لأزواجهم وذرّياتهم سألوا لأنفسهم بعد أن وفقهم اللّه إلى الإيمان أن يجعلهم قدوة يقتدي بهم المتّقون . وهذا يقتضي أنهم يسألون لأنفسهم بلوغ الدرجات العظيمة من التقوى فإن القدوة يجب أن يكون بالغا أقصى غاية العمل الذي يرغب المهتمّون به الكمال فيه . وهذا يقتضي أيضا أنهم يسألون أن يكونوا دعاة للدخول