الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
38
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
إيجاز في حكاية القصة كما في قوله تعالى : أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ إلخ في سورة الشّعراء [ 63 ] . والباء في بِما كَذَّبُونِ سببية في موضع الحال من النصر المأخوذ من فعل الدعاء ، أي نصرا كائنا بسبب تكذيبهم ، فجعل حظ نفسه فيما اعتدوا عليه ملغى واهتم بحظ الرسالة عن اللّه لأن الاعتداء على الرسول استخفاف بمن أرسله . وجملة أَنِ اصْنَعِ جملة مفسرة لجملة فَأَوْحَيْنا لأن فعل أوحينا فيه معنى القول دون حروفه ، وتقدم نظير جملة وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا في سورة هود [ 37 ] . وفرع على الأمر بصنع الفلك تفصيل ما يفعله عند الحاجة إلى استعمال الفلك فوقّت له استعماله بوقت الاضطرار إلى إنجاء المؤمنين والحيوان . وتقدم الكلام على معنى فارَ التَّنُّورُ ومعنى زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ في سورة هود [ 40 ] . والزوج : اسم لكل شيء له شيء آخر متصل به بحيث يجعله شفعا في حالة ما . وتقدم في سورة هود . وإنما عبر هنالك بقوله : قُلْنَا احْمِلْ فِيها [ هود : 40 ] وهنا بقوله : فَاسْلُكْ فِيها لأن آية سورة هود حكت ما خاطبه اللّه به عند حدوث الطوفان وذلك وقت ضيق فأمرّ بأن يحمل في السفينة من أراد اللّه إبقاءهم ، فأسند الحمل إلى نوح تمثيلا للإسراع بإركاب ما عيّن له في السفينة حتّى كأنّ حاله في إدخاله إيّاهم حال من يحمل شيئا ليضعه في موضع ، وآية هذه السورة حكت ما خاطبه اللّه به من قبل حدوث الطوفان إنباء بما يفعله عند حدوث الطوفان فأمره بأنه حينئذ يدخل في السفينة من عيّن اللّه إدخالهم ، مع ما في ذلك من التفنن في حكاية القصة . ومعنى فَاسْلُكْ أدخل ، وفعل ( سلك ) يكون قاصرا بمعنى دخل ومتعديا بمعنى أدخل ومنه قوله تعالى : ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ [ المدثر : 42 ] . وقول الأعشى : كما سلك السّكيّ في الباب فيتق