الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

39

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وتقدم الكلام على مثل قوله : وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ في سورة هود [ 37 ] . وقرأ الجمهور مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ بإضافة كُلٍّ إلى زَوْجَيْنِ . وقرأه حفص بالتنوين كُلٍّ على أن يكون زَوْجَيْنِ مفعول فَاسْلُكْ ، وتنوين كُلٍّ تنوين عوض يشعر بمحذوف أضيف إليه كُلٍّ . وتقديره : من كل ما أمرتك أن تحمله في السفينة . [ 28 ، 29 ] [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 28 إلى 29 ] فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 28 ) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ( 29 ) الاستواء : الاعتلاء . وتقدم عند قوله تعالى : ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ في سورة الأعراف [ 54 ] . وإطلاق الاستواء على الاستقرار في داخل السفينة مجاز مرسل بعلاقة الإطلاق وإلا فحقيقة الاستقرار في الفلك أنه دخول . وأتي بحرف الاستعلاء دون حرف الظرفية لأنه الذي يتعدى به معنى الاعتلاء إيذانا بالتمكن من الفلك فهو ترشيح للمجاز . والتنجية من القوم الظالمين : الإنجاء من أذاهم والكون فيهم لأن في الكون بينهم مشاهدة كفرهم ومناكرهم وذلك مما يؤذي المؤمن . والظلم : يجوز أن يراد به الشرك كما قال تعالى : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ لقمان : 13 ] ، ويجوز أن يراد به الاعتداء على الحق لأن الكافرين كانوا يؤذون نوحا والمؤمنين بشتّى الأذى باطلا وعدوانا وإنما كان ذلك إنجاء لأنهم قد استقلوا بجماعتهم فسلموا من الاختلاط بأعدائهم . وقد ألهمه اللّه بالوحي أن يحمد ربه على ما سهّل له من سبيل النجاة وأن يسأله نزولا في منزل مبارك عقب ذلك الترحل ، والدعاء بذلك يتضمن سؤال سلامة من غرق السفينة . وهذا كالمحامد التي يعلمها اللّه محمدا صلى اللّه عليه وسلّم يوم الشفاعة . فيكون في ذلك التعليم إشارة إلى أنه سيتقبّل ذلك منه . وجملة وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ في موضع الحال . وفيها معنى تعليل سؤاله ذلك . وقرأ الجمهور مُنْزَلًا - بضم الميم وفتح الزاي - وهو اسم مفعول من ( أنزله ) على حذف المجرور ، أي منزلا فيه . ويجوز أن يكون مصدرا ، أي إنزالا مباركا . والمعنيان