الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

222

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والجهد - بفتح الجيم وسكون الهاء - منتهى الطاقة . ولذلك يطلق على المشقة كما في حديث بدء الوحي « فغطني حتى بلغ منّي الجهد » لأن الأمر الشاق لا يعمل إلا بمنتهى الطاقة . وهو مصدر « جهد » كمنع متعديا إذا أتعب غيره . ونصب جَهْدَ أَيْمانِهِمْ يجوز أن يكون على الحال من ضمير أَقْسَمُوا على تأويل المصدر باسم الفاعل كقوله لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً [ الأعراف : 187 ] ، أي جاهدين . والتقدير : جاهدين أنفسهم ، أي بالغين بها أقصى الطاقة وهذا على طريقة التجريد . ومعنى ذلك : أنهم كرّروا الأيمان وعدّدوا عباراتها حتى أتعبوا أنفسهم ليوهموا أنهم صادقون في أيمانهم . وإضافة جَهْدَ إلى أَيْمانِهِمْ على هذا الوجه إضافة على معنى ( من ) ، أي جهدا ناشئا عن أيمانهم . ويجوز أن يكون جَهْدَ منصوبا على المفعول المطلق الواقع بدلا من فعله . والتقدير : جهدوا أيمانهم جهدا . والفعل المقدر في موضع الحال من ضمير أَقْسَمُوا . والتقدير : أقسموا يجهدون أيمانهم جهدا . وإضافة جَهْدَ إلى أَيْمانِهِمْ على هذا الوجه من إضافة المصدر إلى مفعوله ؛ جعلت الأيمان كالشخص الذي له جهد ، ففيه استعارة مكنية ، ورمز إلى المشبه به بما هو من روادفه وهو أن أحدا يجهده ، أي يستخرج منه طاقته فإن كل إعادة لليمين هي كتكليف لليمين بعمل متكرر كالجهد له ، فهذا أيضا استعارة . وتقدم الكلام على شيء من هذا عند قوله تعالى : أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ في سورة العقود [ 53 ] وقوله : وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ في سورة الأنعام [ 109 ] . وجملة : لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ إلخ بيان لجملة : أَقْسَمُوا . وحذف مفعول أَمَرْتَهُمْ لدلالة قوله : لَيَخْرُجُنَّ . والتقدير : لئن أمرتهم بالخروج ليخرجن . فأمر اللّه رسوله صلى اللّه عليه وسلّم أن يقول لهم هذه الكلمات ذات المعاني الكثيرة وهي لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ . وذلك كلام موجه لأن نهيهم عن أن يقسموا بعد أن صدر القسم يحتمل أن يكون نهيا عن إعادته لأنهم كانوا بصدد إعادته ، بمعنى : لا حاجة بكم إلى تأكيد القسم ، أي فإن التأكيد بمنزلة المؤكد في كونه كذبا . ويحتمل أن يكون النهي مستعملا في معنى عدم المطالبة بالقسم ، أي ما كان لكم أن