الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
223
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
تقسموا إذ لا حاجة إلى القسم لعدم الشك في أمركم . ويحتمل أن يكون النهي مستعملا في التسوية مثل فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ [ الطور : 16 ] . ويحتمل أن يكون النهي مستعملا في حقيقته والمقسم عليه محذوف ، أي لا تقسموا على الخروج من دياركم وأموالكم فإن اللّه لا يكلفكم بذلك . ومقام مواجهة نفاقهم يقتضي أن تكون هذه الاحتمالات مقصودة . وقوله : طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ كلام أرسل مثلا وتحته معان جمة تختلف باختلاف الاحتمالات المتقدمة في قوله : لا تُقْسِمُوا . وتنكير طاعَةٌ لأن المقصود به نوع الطاعة وليست طاعة معينة فهو من باب : تمرة خير من جرادة ، و مَعْرُوفَةٌ خبره . فعلى احتمال أن يكون النهي عن القسم مستعملا في النهي عن تكريره يكون المعنى من قبيل التهكم ، أي لا حرمة للقسم فلا تعيدوه فطاعتكم معروفة ، أي معروف وهنها وانتفاؤها . وعلى احتمال استعمال النهي في عدم المطالبة باليمين يكون المعنى : لما ذا تقسمون أفأنا أشك في حالكم فإن طاعتكم معروفة عندي ، أي أعرف عدم وقوعها ، والكلام تهكم أيضا . وعلى احتمال استعمال النهي في التسوية فالمعنى : قسمكم ونفيه سواء لأن أيمانكم فاجرة وطاعتكم معروفة . أو يكون طاعَةٌ مبتدأ محذوف الخبر ، أي طاعة معروفة أولى من الأيمان ، ويكون وصف مَعْرُوفَةٌ مشتقا من المعرفة بمعنى العلم ، أي طاعة تعلم وتتحقق أولى من الأيمان على طاعة غير واقعة ، وهو كالعرفان في قولهم : لا أعرفنك تفعل كذا . وإن كان النهي مستعملا في حقيقته فالمعنى : لا تقسموا هذا القسم ، أي على الخروج من دياركم وأموالكم لأن اللّه لا يكلفكم الطاعة إلا في معروف ، فيكون وصف مَعْرُوفَةٌ مشتقا من العرفان ، أي عدم النكران كقوله تعالى : وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ [ الممتحنة : 12 ] .