الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
199
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والمراد بالرجال : أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ومن كان مثلهم في التعلق بالمساجد . وتخصيص التسبيح بالرجال على هذا لأنهم الغالب على المساجد كما في الحديث : « . . . ورجل قلبه معلق بالمساجد . . . » . ويجوز عندي أن يكون فِي بُيُوتٍ خبرا مقدما و رِجالٌ مبتدأ ، والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا ناشئا عن قوله : يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ [ النور : 35 ] فيسأل السائل في نفسه عن تعيين بعض ممن هداه اللّه لنوره فقيل : رجال في بيوت . والرجال أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، والبيوت مساجد المسلمين وغيرها من بيوت الصلاة في أرض الإسلام والمسجد النبوي ومسجد قباء بالمدينة ومسجد جؤاثى بالبحرين . ومعنى لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ أنهم لا تشغلهم تجارة ولا بيع عن الصلوات وأوقاتها في المساجد . فليس في الكلام أنهم لا يتجرون ولا يبيعون بالمرة . والتجارة : جلب السلع للربح في بيعها ، والبيع أعم وهو أن يبيع أحد ما يحتاج إلى ثمنه . وقرأ الجمهور : يُسَبِّحُ بكسر الموحدة بالبناء للفاعل و رِجالٌ فاعله . وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم بفتح الموحدة على البناء للمجهول فيكون نائب الفاعل أحد المجرورات الثلاثة وهي لَهُ - فِيها - بِالْغُدُوِّ ويكون رِجالٌ فاعلا بفعل محذوف من جملة هي استئناف . ودل على المحذوف قوله : يُسَبِّحُ كأنه قيل : من يسبحه ؟ فقيل : يسبح له رجال . على نحو قول نهشل بن حريّ يرثي أخاه يزيد : ليبك يزيد ضارع لخصومة * ومختبط مما تطيح الطوائح وجملة : لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وجملة : يَخافُونَ صفتان ل رِجالٌ ، أي لا يشغلهم ذلك عن أداء ما وجب عليهم من خوف اللّه وَإِقامِ الصَّلاةِ إلخ وهذا تعريض بالمنافقين . و إِقامِ مصدر على وزن الإفعال . وهو معتل العين فاستحق نقل حركة عينه إلى الساكن الصحيح قبله وانقلاب حرف العلة ألفا إلا أن الغالب في نظائره أن يقترن آخره بهاء تأنيث نحو إدامة واستقامة . وجاء مصدر إِقامِ غير مقترن بالهاء في بعض المواضع كما هنا . وتقدم معنى إقامة الصلاة في صدر سورة البقرة [ 3 ] . وانتصب يَوْماً من قوله : يَخافُونَ يَوْماً على المفعول به لا على الظرف بتقدير