الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
200
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
مضاف ، أي يخافون أهواله . وتقلّب القلوب والأبصار : اضطرابها عن مواضعها من الخوف والوجل كما يتقلب المرء في مكانه . وقد تقدم في قوله تعالى : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ في سورة الأنعام [ 110 ] . والمقصود من خوفه : العمل لما فيه الفلاح يومئذ كما يدل عليه قوله : لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا . ويتعلق قوله : لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا ب يَخافُونَ ، أي كان خوفهم سببا للجزاء على أعمالهم الناشئة عن ذلك الخوف . والزيادة : من فضله هي زيادة أجر الرهبان إن آمنوا بمحمد صلى اللّه عليه وسلّم حينما تبلغهم دعوته لما في الحديث الصحيح : « أن لهم أجرين » ، أو هي زيادة فضل الصلاة في المساجد إن كان المراد بالبيوت مساجد الإسلام . وجملة : وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ تذييل لجملة : لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ . وقد حصل التذييل لما في قوله : مَنْ يَشاءُ من العموم ، أي وهم ممن يشاء اللّه لهم الزيادة . والحساب هنا بمعنى التحديد كما في قوله : إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ في سورة آل عمران [ 37 ] . وأما قوله : جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً [ النبأ : 36 ] فهو بمعنى التعيين والإعداد للاهتمام بهم . [ 39 ] [ سورة النور ( 24 ) : آية 39 ] وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 39 ) لمّا جرى ذكر أعمال المتقين من المؤمنين وجزائهم عليها بقوله تعالى : يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ رِجالٌ إلى قوله : لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ [ النور : 36 - 38 ] أعقب ذلك بضده من حال أعمال الكافرين التي يحسبونها قربات عند اللّه تعالى وما هي بمغنية عنهم شيئا على عادة القرآن في إرداف البشارة بالنذارة ، وعكس ذلك كقوله : ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ [ آل عمران : 197 ، 198 ] إلخ فعطف حال أعمال الكافرين عطف القصة على القصة . ولعل المشركين كانوا إذا سمعوا ما وعد اللّه به المؤمنين من الجزاء على الأعمال الصالحة يقولون : ونحن نعمر المسجد الحرام ونطوف ونطعم المسكين