الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
198
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
القفال : جمع قافل وهم الراجعون من أسفارهم . وقيل : أريد بالرفع الرفع المعنوي وهو التعظيم والتنزيه عن النقائص . فالإذن حينئذ بمعنى الأمر . وبعد فهذا يبعد عن أغراض القرآن وخاصة المدني منه لأن الثناء على هؤلاء الرجال ثناء جم ومعقب بقوله : لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا . والأظهر عندي : أن قوله : فِي بُيُوتٍ ظرف مستقر هو حال من لِنُورِهِ في قوله مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ [ النور : 35 ] إلخ مشير إلى أن « نور » في قوله : مَثَلُ نُورِهِ مراد منه القرآن ، فيكون هذا الحال تجريدا للاستعارة التمثيلية بذكر ما يناسب الهيئة المشبهة أعني هيئة تلقي القرآن وقراءته وتدبره بين المسلمين مما أشار إليه قول النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « وما اجتمع قوم في بيت من بيوت اللّه يتلون كتاب اللّه ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وذكرهم اللّه فيمن عنده » « 1 » ، فكان هذا التجريد رجوعا إلى حقيقة التركيب الدال على الهيئة المشبهة كقول طرفة : وفي الحي أحوى ينفض المرد شادف * مظاهر سمطي لؤلؤ وزبرجد مع ما في الآية من بيان ما أجمل في لفظ : مَثَلُ نُورِهِ وبذلك كانت الآية أبلغ من بيت طرفة لأن الآية جمعت بين تجريد وبيان وبيت طرفة تجريد فقط . ويجوز أن يكون فِي بُيُوتٍ غير مرتبط بما قبله وأنه مبدأ استئناف ابتدائي وأن المجرور متعلق بقوله : يُسَبِّحُ لَهُ فِيها . وتقديم المجرور للاهتمام بتلك البيوت وللتشويق إلى متعلق المجرور وهو التسبيح وأصحابه . والتقدير : يسبح للّه رجال في بيوت ، ويكون قوله : فِيهَا تأكيدا لقوله : فِي بُيُوتٍ لزيادة الاهتمام بها . وفي ذلك تنويه بالمساجد وإيقاع الصلاة والذكر فيها كما في الحديث : « صلاة أحدكم في المسجد ( أي الجماعة ) تفضل صلاته في بيته بسبع وعشرين درجة » . والمراد بالغدوّ : وقت الغدوّ وهو الصباح لأنه وقت خروج الناس في قضاء شؤونهم . والآصال : جمع أصيل وهو آخر النهار ، وتقدم في آخر الأعراف [ 205 ] وفي سورة الرعد [ 15 ] .
--> ( 1 ) رواه مسلم بسنده إلى أبي هريرة رضي اللّه عنه .