الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
197
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
يوجد في أصل الدين ما يقتضي النهي عنها فكانت في قسم المباح ، فلما انضم إلى إباحة اتخاذها نية العون على العبادة صارت مرضية للّه تعالى . وهذا كقوله تعالى : وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ [ الحديد : 27 ] . وقد كان اجتهاد أحبار الدين في النصرانية وإلهامهم دلائل تشريع لهم كما تقتضيه نصوص من الإنجيل . والمقصد من ذكر هذا على هذه الوجوه زيادة إيضاح المشبه به كقول النبي صلى اللّه عليه وسلّم في صفة جهنم : « فإذا لها كلاليب مثل حسك السّعدان هل رأيتم حسك السّعدان ؟ » . وفيه مع ذلك تحسين المشبه به ليسري ذلك إلى تحسين المشبه كما في قول كعب بن زهير : شجت بذي شبم من ماء محنية * صاف بأبطح أضحى وهو مشمول تنفي الرياح القذى عنه وأفرطه * من صوب سارية بيض يعاليل لأن ما ذكر من وصف البيوت وما يجري فيها مما يكسبها حسنا في نفوس المؤمنين . وتخصيص التسبيح بالرجال لأن الرهبان كانوا رجالا . وأريد بالرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللّه : الرهبان الذين انقطعوا للعبادة وتركوا الشغل بأمور الدنيا ، فيكون معنى : لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ : أنهم لا تجارة لهم ولا بيع من شأنهما أن يلهياهم عن ذكر اللّه ، فهو من باب : على لاحب لا يهتدى بمناره . والثناء عليهم يومئذ لأنهم كانوا على إيمان صحيح إذ لم تبلغهم يومئذ دعوة الإسلام ولم تبلغهم إلا بفتوح مشارف الشام بعد غزوة تبوك ، وأما كتاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم إلى هرقل فإنه لم يذع في العامة . وكان الرهبان يتركون الكوى مفتوحة ليظهر ضوء صوامعهم وقد كان العرب يعرفون صوامع الرهبان وأضواءها في الليل . قال امرؤ القيس : تضيء الظلام بالعشيّ كأنها * منارة ممسى راهب متبتل وقال أيضا : يضيء سناه أو مصابيح راهب * أمال السليط بالذبال المفتل السليط : الزيت . أي صب الزيت على الذبال فهو في تلك الحالة أكثر إضاءة . وكانوا يهتدون بها في أسفارهم ليلا . قال امرؤ القيس : سموت إليها والنجوم كأنها * مصابيح رهبان تشب لقفّال