الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

196

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وجملة : وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ تذييل لمضمون الجملتين قبلها ، أي لا يعزب عن علمه شيء . ومن ذلك علم من هو قابل للهدى ومن هو مصرّ على غيّه . وهذا تعريض بالوعد للأولين والوعيد للآخرين . [ 36 - 38 ] [ سورة النور ( 24 ) : الآيات 36 إلى 38 ] فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ( 36 ) رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ ( 37 ) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 38 ) تردد المفسرون في تعلق الجار والمجرور من قوله : فِي بُيُوتٍ إلخ . فقيل قوله : فِي بُيُوتٍ من تمام التمثيل ، أي فيكون فِي بُيُوتٍ متعلقا بشيء مما قبله . فقيل يتعلق بقوله : يُوقَدُ [ النور : 35 ] أي يوقد المصباح في بيوت . وقيل هو صفة لمشكاة ، أي مشكاة في بيوت وما بينهما اعتراض ؛ وإنما جاء بيوت بصيغة الجمع مع أن مشكاة و مِصْباحٌ [ النور : 35 ] مفردان لأن المراد بهما الجنس فتساوى الإفراد والجمع . ثم قيل : أريد بالبيوت المساجد . ولا يستقيم ذلك إذ لم يكن في مساجد المسلمين يومئذ مصابيح وإنما أحدثت المصابيح في المساجد الإسلامية في خلافة عمر بن الخطاب فقال له علي : نوّر اللّه مضجعك يا بن الخطاب كما نورت مسجدنا . وروي أن تميما الداري أسرج المسجد النبوي بمصابيح جاء بها من الشام ولكن إنما أسلم تميم سنة تسع ، أي بعد نزول هذه الآية . وقيل البيوت مساجد بيت المقدس وكانت يومئذ بيعا للنصارى . ويجوز عندي على هذا الوجه أن يكون المراد بالبيوت صوامع الرهبان وأديرتهم وكانت معروفة في بلاد العرب في طريق الشام يمرون عليها وينزلون عندها في ضيافة رهبانها . وقد ذكر صاحب « القاموس » عددا من الأديرة . ويرجح هذا قوله : أَنْ تُرْفَعَ فإن الصوامع كانت مرفوعة والأديرة كانت تبنى على رؤوس الجبال . أنشد الفراء : لو أبصرت رهبان دير بالجبل * لانحدر الرهبان يسعى ويصل والمراد بإذن اللّه برفعها أنه ألهم متّخذيها أن يجعلوها عالية وكانوا صالحين يقرءون الإنجيل فهو كقوله تعالى : لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ إلى قوله : يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً [ الحج : 40 ] . وعبر بالإذن دون الأمر لأن اللّه لم يأمرهم باتخاذ الأديرة في أصل النصرانية ولكنهم أحدثوها للعون على الانقطاع للعبادة باجتهاد منهم ، فلم ينههم اللّه عن ذلك إذ لا