الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

115

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وجملة : أَنْزَلْناها وما عطف عليها في موضع الصفة ل سُورَةٌ . والمقصود من تلك الأوصاف التنويه بهذه السورة ليقبل المسلمون بشراشرهم على تلقي ما فيها . وفي ذلك امتنان على الأمة بتحديد أحكام سيرتها في أحوالها . ففي قوله : أَنْزَلْناها تنويه بالسورة بما يدل عليه « أنزلنا » من الإسناد إلى ضمير الجلالة الدال على العناية بها وتشريفها . وعبر ب « أنزلنا » عن ابتداء إنزال آياتها بعد أن قدرها اللّه بعلمه بكلامه النفسي . فالمقصود من إسناد إنزالها إلى اللّه تعالى تنويه بها . وعبر عن إنزالها بصيغة المضي وإنما هو واقع في الحال باعتبار إرادة إنزالها ، فكأنه قيل : أردنا إنزالها وإبلاغها ، فجعل ذلك الاعتناء كالماضي حرصا عليه . وهذا من استعمال الفعل في معنى إرادة وقوعه كقوله تعالى : إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [ المائدة : 6 ] الآية . والقرينة قوله : وَفَرَضْناها ومعنى فَرَضْناها عند المفسرين : أوجبنا العمل بما فيها . وإنما يليق هذا التفسير بالنظر إلى معظم هذه السورة لا إلى جميعها فإن منها ما لا يتعلق به عمل كقوله : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ النور : 35 ] الآيات وقوله : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ [ النور : 39 ] . فالذي أختاره أن يكون الفرض هنا بمعنى التعيين والتقدير كقوله تعالى : نَصِيباً مَفْرُوضاً [ النساء : 7 ] وقوله : ما كانَ عَلَى النبي مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ [ الأحزاب : 38 ] . وتعدية فعل « فرضنا » إلى ضمير السورة من قبيل ما يعبر عنه في مسائل أصول الفقه من إضافة الأحكام إلى الأعيان بإرادة أحوالها ، مثل حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [ المائدة : 3 ] ، أي أكلها . فالمعنى : وفرضنا آياتها . وسنذكر قريبا ما يزيد هذا بيانا عند قوله تعالى : وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ [ النور : 34 ] وكيف قوبلت الصفات الثلاث المذكورة هنا بالصفات الثلاث المذكورة هنالك . وقرأ الجمهور : وَفَرَضْناها بتخفيف الراء بصيغة الفعل المجرد . وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وَفَرَضْناها بتشديد الراء للمبالغة مثل نزّل المشدّد . ونقل في حواشي « الكشاف » عن الزمخشري قوله : كأنه عامل في دين سؤدده * بسورة أنزلت فيه وفرّضت وهذان الحكمان وهما الإنزال والفرض ثبتا لجميع السورة . وأما قوله : أَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ فهو تنويه آخر بهذه السورة تنويه بكل آية