الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

116

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

اشتملت عليها السورة : من الهدى إلى التوحيد ، وحقية الإسلام ، ومن حجج وتمثيل ، وما في دلائل صنع اللّه على سعة قدرته وعلمه وحكمته ، وهي ما أشار إليه قوله : وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [ النور : 34 ] وقوله : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً إلى قوله : صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ النور : 43 - 46 ] . ومن الآيات البينات التي أنزلت فيها اطلاع اللّه رسوله على دخائل المنافقين مما كتموه في نفوسهم من قوله : وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ إلى قوله : إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ [ النور : 48 - 53 ] فحصل التنويه بمجموع السورة ابتداء والتنويه بكل جزء منها ثانيا . فالآيات جمع آية وهي قطعة من الكلام القرآني دالة على معنى مستقل وتقدم بيانها في المقدمة الثامنة من مقدمات هذا التفسير . فالمراد من الآيات المنزلة في هذه السورة جميع ما اشتملت عليه من الآيات لا آيات مخصوصة من بينها . والمقصود التنويه بآياتها بإجراء وصف بَيِّناتٍ عليها . وإذا كانت الآيات التي اشتملت السورة على جميعها هي عين السورة لا بعضا منها إذ ليس ثم شيء غير تلك الآيات حاو لتلك الآيات حقيقة ولا مشبه بما يحوي ، فكان حرف ( في ) الموضوع للظرفية مستعملا في غير ما وضع له لا حقيقة ولا استعارة مصرحة . فتعين أن كلمة فِيها تؤذن باستعارة مكنية بتشبيه آيات هذه السورة بأعلاق نفسية تكتنز ويحرص على حفظها من الإضاعة والتلاشي كأنها مما يجعل في خزانة ونحوها . ورمز إلى المشبه به بشيء من روادفه وهو حرف الظرفية فيكون حرف ( في ) تخييلا مجردا وليس باستعارة تخيلية إذ ليس ثم ما يشبه بالخزانة ونحوها ، فوزان هذا التخييل وزان أظفار المنية في قول أبي ذؤيب الهذلي : وإذا المنية أنشبت أظفارها * ألفيت كل تميمة لا تنفع وهذه الظرفية شبيهة بالإضافة البيانية مثل قوله تعالى : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ [ المائدة : 1 ] وقوله : أَ كُفَّارُكُمْ خَيْرٌ [ القمر : 43 ] فإن الكفار هم عين ضمير الجماعة المخاطبين وهم المشركون . فقوله : وَأَنْزَلْنا فِيها هو : بمعنى وأنزلناها آيات بينات . ووصف آياتٍ ب بَيِّناتٍ أي واضحات ، مجاز عقلي لأن البيّن هو معانيها ، وأعيد فعل الإنزال مع إغناء