الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

84

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 78 إلى 79 ] وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ ( 78 ) فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ ( 79 ) وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنّا لحكمهم شهدين ( 78 ) ففهّمنا سليمان وكلّا آتينا حكما وعلما شروع في عداد جمع من الأنبياء الذين لم يكونوا رسلا . وقد روعي في تخصيصهم بالذكر ما اشتهر به كل فرد منهم من المزية التي أنعم اللّه بها عليه ، بمناسبة ذكر ما فضل اللّه به موسى وهارون من إيتاء الكتاب المماثل للقرآن وما عقب ذلك . ولم يكن بعد موسى في بني إسرائيل عصر له ميزة خاصة مثل عصر داود وسليمان إذ تطور أمر جامعة بني إسرائيل من كونها مسوسة بالأنبياء من عهد يوشع بن نون . ثم بما طرأ عليها من الفوضى من بعد موت ( شمشون ) إلى قيام ( شاول ) حميّ داود إلا أنه كان ملكا قاصرا على قيادة الجند ولم يكن نبيئا ، وأما تدبير الأمور فكان للأنبياء والقضاة مثل ( صمويل ) . فداود أول من جمعت له النبوءة والملك في أنبياء بني إسرائيل . وبلغ ملك إسرائيل في مدة داود حدّا عظيما من البأس والقوة وإخضاع الأعداء . وأوتي داود الزبور فيه حكمة وعظة فكان تكملة للتوراة التي كانت تعليم شريعة ، فاستكمل زمن داود الحكمة ورقائق الكلام . وأوتي سليمان الحكمة وسخر له أهل الصنائع والإبداع فاستكملت دولة إسرائيل في زمانه عظمة النظام والثروة والحكمة والتجارة فكان في قصتها مثل . وكانت تلك القصة منتظمة في هذا السلك الشريف سلك إيتاء الفرقان والهدى والرشد والإرشاد إلى الخير والحكم والعلم . وكان في قصة داود وسليمان تنبيه على أصل الاجتهاد وعلى فقه القضاء فلذلك خص داود وسليمان بشيء من تفصيل أخبارهما فيكون داوُدَ عطفا على نُوحاً في قوله وَنُوحاً [ الأنبياء : 76 ] ، أي وآتينا داود وسليمان حكما وعلما إذ يحكمان . . . إلى آخره . ف إِذْ يَحْكُمانِ متعلّق ب ( آتينا ) المحذوف ، أي كان وقت حكمهما في قضية الحرث مظهرا من مظاهر حكمهما وعلمهما . والحكم : الحكمة ، وهو النبوءة . والعلم : أصالة الفهم . و إِذْ نَفَشَتْ متعلق ب يَحْكُمانِ .