الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
85
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فهذه القضية التي تضمنتها الآية مظهر من مظاهر العدل ومبالغ تدقيق فقه القضاء ، والجمع بين المصالح والتفاضل بين مراتب الاجتهاد ، واختلاف طرق القضاء بالحق مع كون الحق حاصلا للمحق ، فمضمونها أنها الفقه في الدين الذي جاء به المرسلون من قبل . وخلاصتها أن داود جلس للقضاء بين الناس ، وكان ابنه سليمان حينئذ يافعا فكان يجلس خارج باب بيت القضاء . فاختصم إلى داود رجلان أحدهما عامل في حرث لجماعة في زرع أو كرم ، والآخر راعي غنم لجماعة ، فدخلت الغنم الحرث ليلا فأفسدت ما فيه فقضى داود أن تعطى الغنم لأصحاب الحرث إذ كان ثمن تلك الغنم يساوي ثمن ما تلف من ذلك الحرث ، فلما حكم بذلك وخرج الخصمان فقصّ أمرهما على سليمان ، فقال : لو كنت أنا قاضيا لحكمت بغير هذا . فبلغ ذلك داود فأحضره وقال له : بما ذا كنت تقضي ؟ قال : إني رأيت ما هو أرفق بالجميع . قال : وما هو ؟ قال : أن يأخذ أصحاب الغنم الحرث يقوم عليه عاملهم ويصلحه عاما كاملا حتى يعود كما كان ويرده إلى أصحابه ، وأن يأخذ أصحاب الحرث الغنم تسلم لراعيهم فينتفعوا من ألبانها وأصوافها ونسلها في تلك المدة فإذا كمل الحرث وعاد إلى حاله الأول صرف إلى كل فريق ما كان له . فقال داود : وفّقت يا بني . وقضى بينهما بذلك . فمعنى نَفَشَتْ فِيهِ دخلته ليلا ، قالوا : والنفش الانفلات للرعي ليلا . وأضيف الغنم إلى القوم لأنها كانت لجماعة من الناس كما يؤخذ من قوله تعالى غَنَمُ الْقَوْمِ . وكذلك كان الحرث شركة بين أناس . كما يؤخذ مما أخرجه ابن جرير في « تفسيره » من كلام مجاهد ومرة وقتادة ، وما أخرجه ابن كثير في « تفسيره » عن مسروق من رواية ابن أبي حاتم . وهو ظاهر تقرير « الكشاف » . وأما ما ورد في الروايات الأخرى من ذكر رجلين فإنما يحمل على أن اللذين حضرا للخصومة هما راعي الغنم وعامل الحرث . واعلم أن مقتضى عطف داود وسليمان على إبراهيم ومقتضى قوله وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ أي عالمين وقوله تعالى : وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً ومقتضى وقوع الحكمين في قضية واحدة وفي وقت واحد ، إذ أن الحكمين لم يكونا عن وحي من اللّه وأنهما إنما كانا عن علم أوتيه داود وسليمان ، فذلك من القضاء بالاجتهاد . وهو جار على القول الصحيح من جواز الاجتهاد للأنبياء ولنبينا عليهم الصلاة والسلام ووقوعه في مختلف المسائل .