الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

81

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

حتى تكون الخيرات مفعولة للناس كلهم ، فحذف الفاعل للتعميم مع الاختصار لاقتضاء المفعول إياه . واعتبار المصدر مصدرا لفعل مبني للنائب جائز إذا قامت القرينة . وهذا ما يؤذن به صنيع الزمخشري . على أن الأخفش أجازه بدون شرط . ويجوز أن يكون فِعْلَ الْخَيْراتِ هو الموحى به ، أي وأوحينا إليهم هذا الكلام ، فيكون المصدر قائما مقام الفعل مرادا به الطلب ، والتقدير : افعلوا الخيرات ، كقوله تعالى : فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ [ محمد : 4 ] . وتخصيص إِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ بالذكر بعد شمول الخيرات إياهما تنويه بشأنهما لأن بالصلاة صلاح النفس إذ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، وبالزكاة صلاح المجتمع لكفاية عوز المعوزين . وهذا إشارة إلى أصل الحنيفية التي أرسل بها إبراهيم عليه السلام . ومعنى الوحي بفعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة أنه أوحي إليهم الأمر بذلك كما هو بيّن . ثم خصّهم بذكر ما كانوا متميزين به على بقية الناس من ملازمة العبادة للّه تعالى كما دلّ عليه فعل الكون المفيد تمكّن الوصف ، ودلت عليه الإشارة بتقديم المجرور إلى أنهم أفردوا اللّه بالعبادة فلم يعبدوا غيره قط كما تقتضيه رتبة النبوءة من العصمة عن عبادة غير اللّه من وقت التكليف كما قال يوسف : ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [ يوسف : 38 ] وقال تعالى في الثناء على إبراهيم : وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ البقرة : 135 ] . [ 74 ، 75 ] [ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 74 إلى 75 ] وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ ( 74 ) وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 75 ) عطف على جملة وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ [ الأنبياء : 51 ] . وقدّم مفعول آتَيْنا اهتماما به لينبه على أنه محل العناية إذ كان قد تأخر ذكر قصته بعد أن جرى ذكره تبعا لذكر إبراهيم تنبيها على أنه بعث بشريعة خاصة ، وإلى قوم غير القوم الذين بعث إليهم إبراهيم ، وإلى أنه كان في مواطن غير المواطن التي حلّ فيها إبراهيم ، بخلاف إسحاق ويعقوب في ذلك كله .