الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
82
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ولأجل البعد أعيد فعل الإيتاء ليظهر عطفه على آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ [ الأنبياء : 51 ] ، ولم يعد في قصة نوح عقب هذه . وأعقبت قصة إبراهيم بقصة لوط للمناسبة . وخص لوط بالذكر من بين الرسل لأن أحواله تابعة لأحوال إبراهيم في مقاومة أهل الشرك والفساد . وإنما لم يذكر ما هم عليه قوم لوط من الشرك استغناء بذكر الفواحش الفظيعة التي كانت لهم سنة فإنها أثر من الشرك . والحكم : الحكمة ، وهو النبوءة ، قال تعالى : وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا [ مريم : 12 ] . والعلم : علم الشريعة ، والتنوين فيها للتعظيم . والقرية ( سدوم ) . وقد تقدم ذكر ذلك في سورة هود والمراد من القرية أهلها كما مر في قوله تعالى : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ في [ سورة يوسف : 82 ] . والخبائث : جمع خبيثة بتأويل الفعلة ، أي الشنيعة . والسّوء - بفتح السين وسكون الواو - مصدر ، أي القبيح المكروه . وأما بضم السين فهو اسم مصدر لما ذكر وهو أعم من المفتوح لأن الوصف بالاسم أضعف من الوصف بالمصدر . [ 76 ، 77 ] [ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 76 إلى 77 ] وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ( 76 ) وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ ( 77 ) لما ذكر أشهر الرسل بمناسبات أعقب بذكر أول الرسل . وعطف وَنُوحاً على لُوطاً [ الأنبياء : 74 ] ، أي آتينا نوحا حكما وعلما ، فحذف المفعول الثاني لآتينا [ الأنبياء : 74 ] لدلالة ما قبله عليه ، أي آتيناه النبوءة حين نادى ، أي نادانا . ومعنى نادى دعا ربه أن ينصره على المكذبين من قومه بدليل قوله فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ . وبناء قَبْلُ على الضمّ يدل على مضاف إليه مقدر ، أي من قبل هؤلاء ، أي قبل الأنبياء المذكورين . وفائدة ذكر هذه القبلية التنبيه على أن نصر اللّه أولياءه سنته المرادة له