الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
48
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
رأيت المنايا لم يدعن محمدا * ولا باقيا إلّا له الموت مرصدا وأعقب اللّه ذلك بتعليمهم أن الحياة مشتملة على خير وشرّ وأن الدنيا دار ابتلاء . والبلوى : الاختبار . وتقدم غير مرة . وإطلاق البلوى على ما يبدو من الناس من تجلد ووهن وشكر وكفر ، على ما ينالهم من اللذات والآلام مما بنى اللّه تعالى عليه نظام الحياة ، إطلاق مجازي ، لأن ابتناء النظام عليه دل على اختلاف أحوال الناس في تصرفهم فيه وتلقيهم إياه . أشبه اختبار المختبر ليعلم أحوال من يختبرهم . و فِتْنَةً منصوب على المفعولية المطلقة توكيدا لفعل نَبْلُوكُمْ لأن الفتنة ترادف البلوى . وجملة وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ إثبات للبعث ، فجمعت الآية الموت والحياة والنشر . وتقديم المجرور للرعاية على الفاصلة وإفادة تقوي الخبر . وأمّا احتمال القصر فلا يقوم هنا إذ ليس ذلك باعتقاد للمخاطبين كيفما افترضتهم . [ 36 ] [ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 36 ] وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَ هذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ ( 36 ) هذا وصف آخر لما يؤذي به المشركون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين يرونه فهو أخص من أذاهم إياه في مغيبه ، فإذا رأوه يقول بعضهم لبعض : أَ هذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ . والهزؤ - بضم الهاء وضم الزاي - مصدر هزأ به ، إذا جعله للعبث والتفكه . ومعنى اتّخاذه هزؤا أنهم يجعلونه مستهزأ به فهذا من الإخبار بالمصدر للمبالغة ، أو هو مصدر بمعنى المفعول كالخلق بمعنى المخلوق . وتقدم في سورة [ الكهف : 106 ] قوله تعالى : وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً . وجملة أَ هذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ مبيّنة لجملة إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً فهي في معنى قول محذوف دل عليه إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً لأن الاستهزاء يكون بالكلام . وقد انحصر اتخاذهم إياه عند رؤيته في الاستهزاء به دون أن يخلطوه بحديث آخر في شأنه . والاستفهام مستعمل في التعجيب ، واسم الإشارة مستعمل في التحقير ، بقرينة الاستهزاء . ومعنى يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ يذكرهم بسوء ، بقرينة المقام ، لأنهم يعلمون ما يذكر به