الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

49

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

آلهتهم مما يسوءهم ، فإن الذكر يكون بخير وبشّر فإذا لم يصرح بمتعلقه يصار إلى القرينة كما هنا وكما في قوله تعالى الآتي : قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ [ الأنبياء : 60 ] . وكلامهم مسوق مساق الغيظ والغضب ، ولذلك أعقبه اللّه بجملة الحال وهي وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ ، أي يغضبون من أن تذكر آلهتهم بما هو كشف لكنهها المطابق للواقع في حال غفلتهم عن ذكر الرحمن الذي هو الحقيق بأن يذكروه . فالذكر الثاني مستعمل في الذكر بالثناء والتمجيد بقرينة المقام . والأظهر أن المراد بذكر الرحمن هنا القرآن ، أي الذكر الوارد من الرحمن . والمناسبة الانتقال من ذكر إلى ذكر . ومعنى كفرهم بذكر الرحمن إنكارهم أن يكون القرآن آية دالة على صدق الرسول صلى اللّه عليه وسلم فقالوا : فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ [ الأنبياء : 5 ] . وأيضا كفرهم بما جاء به القرآن من إثبات البعث . وعبر عن اللّه تعالى باسم الرَّحْمنِ تورّكا عليهم إذ كانوا يأبون أن يكون الرحمن اسما للّه تعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَ نَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً في سورة [ الفرقان : 60 ] . وضمير الفصل في قوله تعالى : هُمْ كافِرُونَ يجوز أن يفيد الحصر ، أي هم كافرون بالقرآن دون غيرهم ممن أسلم من أهل مكة وغيرهم من العرب لإفادة أنّ هؤلاء باقون على كفرهم مع توفر الآيات والنذر . ويجوز أن يكون الفصل لمجرد التأكيد تحقيقا لدوام كفرهم مع ظهور ما شأنه أن يقلعهم عن الكفر . [ 37 ] [ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 37 ] خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ ( 37 ) جملة خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ معترضة بين جملة وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا [ الأنبياء : 36 ] وبين جملة سَأُرِيكُمْ آياتِي ، جعلت مقدمة لجملة سَأُرِيكُمْ آياتِي . أمّا جملة سَأُرِيكُمْ آياتِي فهي معترضة بين جملة وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً [ الأنبياء : 36 ] وبين جملة وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ [ الأنبياء : 38 ] ، لأن قوله تعالى : وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً [ الأنبياء : 36 ] يثير في نفوس المسلمين تساؤلا عن مدى إمهال المشركين ، فكان قوله تعالى : سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ استئنافا بيانيا جاء معترضا بين الجمل التي تحكي أقوال المشركين وما تفرع عليها . فالخطاب إلى المسلمين الذين كانوا يستبطئون حلول الوعيد الذي توعد فاللّه تعالى به المكذبين .