الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
47
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بأنهم يتربصون بك ريب المنون من فرط غرورهم ، فالتفريع كان على ما في الجملة الأولى من القول بالموجب ، أي ما هم بخالدين حتى يوقنوا أنهم يرون موتك . وفي الإنكار الذي هو في معنى النفي إنذار لهم بأنهم لا يرى موته منهم أحد . [ 35 ] [ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 35 ] كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ ( 35 ) جمل معترضات بين الجملتين المتعاطفتين . ومضمون الجملة الأولى مؤكد لمضمون الجملة المعطوف عليها ، وهي وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ [ الأنبياء : 34 ] . ووجه إعادتها اختلاف القصد فإن الأولى للرد على المشركين وهذه لتعليم المؤمنين . واستعير الذوق لمطلق الإحساس الباطني لأن الذوق إحساس باللسان يقارنه ازدراد إلى بالباطن . وذوق الموت ذوق آلام مقدماته وأما بعد حصوله فلا إحساس للجسد . والمراد بالنفس النفوس الحالّة في الأجساد كالإنسان والحيوان . ولا يدخل فيه الملائكة لأن إطلاق النفوس عليهم غير متعارف في العربية بل هو اصطلاح الحكماء وهو لا يطلق عندهم إلا مقيّدا بوصف المجردات ، أي التي لا تحل في الأجساد ولا تلابس المادة . وأما إطلاق النفس على اللّه تعالى فمشاكلة : إما لفظية كما في قوله تعالى تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ في سورة المائدة [ 116 ] . وإما تقديرية كما في قوله تعالى وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ في آل عمران [ 28 ] . وجملة وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً عطف على الجملة المعترضة بمناسبة أن ذوق الموت يقتضي سبق الحياة ، والحياة مدة يعتري فيها الخير والشرّ جميع الأحياء ، فعلّم اللّه تعالى المسلمين أن الموت مكتوب على كل نفس حتى لا يحسبوا أن الرسول صلى اللّه عليه وسلّم مخلد . وقد عرض لبعض المسلمين عارض من ذلك ، ومنهم عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فقد قال يوم انتقال النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى : « ليرجعنّ رسول اللّه فيقطّع أيدي قوم وأرجلهم » حتى حضر أبو بكر رضي اللّه عنه وثبته اللّه في ذلك الهول فكشف عن وجه النبي صلى اللّه عليه وسلم وقبّله وقال : « طبت حيا وميتا واللّه لا يجمع اللّه عليك موتتين » . وقد قال عبد بني الحسحاس وأجاد :