الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

38

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

التقدم في كل عمل . ومنه السبق في القول ، أي التكلم قبل الغير كما في هذه الآية . ونفيه هنا كناية عن عدم المساواة ، أي كناية عن التعظيم والتوقير . ونظيره في ذلك النهي عن التقدم في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [ الحجرات : 1 ] فإن التقدم في معنى السبق . فقوله تعالى : لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ معناه لا يصدر منهم قول قبل قوله ، أي لا يقولون إلّا ما أذن لهم أن يقولون . وهذا عام يدخل فيه الردّ على زعم المشركين أن معبوداتهم تشفع لهم عند اللّه إذا أراد اللّه عقابهم على أعمالهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند اللّه كما سيصرح بنفيه . وتقديم بِأَمْرِهِ على يَعْمَلُونَ لإفادة القصر ، أي لا يعملون عملا إلا عن أمر اللّه تعالى فكما أنهم لا يقولون قولا لم يأذن فيه كذلك لا يعملون عملا إلا بأمره . وقوله تعالى يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ تقدم نظيره في سورة البقرة [ 255 ] . وقوله تعالى وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى تخصيص بالذكر لبعض ما شمله قوله تعالى لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ اهتماما بشأنه لأنه مما كفروا بسببه إذ جعلوا الآلهة شفعاء لهم عند اللّه . وحذف مفعول ارْتَضى لأنه عائد صلة منصوب بفعل ، والتقدير : لمن ارتضاه ، أي ارتضى الشفاعة له بأن يأذن الملائكة أن يشفعوا له إظهارا لكرامتهم عند اللّه أو استجابة لاستغفارهم لمن في الأرض ، كما قال تعالى وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ في سورة الشورى [ 5 ] . وذلك الاستغفار من جملة ما خلقوا لأجله فليس هو من التقدم بالقول . ثم زاد تعظيمهم ربهم تقريرا بقوله تعالى : وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ، أي هم يعظمونه تعظيم من يخاف بطشته ويحذر مخالفة أمره . و مِنْ في قوله تعالى مِنْ خَشْيَتِهِ للتعليل ، والمجرور ظرف مستقر ، وهو حال من المبتدأ . و مُشْفِقُونَ خبر ، أي وهم لأجل خشيته ، أي خشيتهم إياه . والإشفاق : توقع المكروه والحذر منه . والشرط الذي في قوله تعالى : وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ إلخ . . . شرط