الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
39
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
على سبيل الفرض ، أي لو قاله واحد منهم مع العلم بأنهم لا يقولونه لأجل ما تقرر من شدة خشيتهم . فالمقصود من هذا الشرط التعريض بالذين ادّعوا لهم الإلهية بأنهم ادعوا لهم ما لا يرضونه ولا يقولونه ، وأنهم ادعوا ما يوجب لقائله نار جهنم على حد وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [ الزمر : 65 ] . وعدل عن ( إن ) الشرطية إلى ( من ) الشرطيّة للدلالة على العموم مع الإيجاز . وأدخل اسم الإشارة في جواب الشرط لتحقيق التعليق بنسبته الشرط لأداته للدلالة على جدارة مضمون الجزاء بمن ثبت له مضمون الشرط ، وفي هذا إبطال لدعوى عامة النصارى إلهية عيسى عليه السلام وأنهم يقولون عليه ما لم يقله . ثم صرح بما اقتضاه التعريض فقال تعالى كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ أي مثل ذلك الجزاء وهو جهنم يجزي المثبتين للّه شريكا . والظلم : الشرك . [ 30 ] [ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 30 ] أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ ( 30 ) أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما قرأ الجمهور أَ وَلَمْ - بواو بعد الهمزة - وهي واو العطف ، فالجملة معطوفة عطف الاستدلال على الخلق الثاني بالخلق الأول وما فيه من العجائب . وقرأ ابن كثير ا لم ير بدون واو عطف . قال أبو شامة : ولم تثبت الواو في مصاحف أهل مكة . قلت : معناه أنها لم تثبت في المصحف الذي أرسل به عثمان إلى مكة فالتزم قراء مكة رواية عدم الواو إلى أن قرأ بها ابن كثير ، وأهملت غير قراءته . والاستفهام على كلتا القراءتين إنكاري ، توجه الإنكار على إهمالهم للنظر . والرؤية تحتمل أن تكون بصرية وأن تكون علمية . والاستفهام صالح لأن يتوجه إلى كلتيهما لأن إهمال النظر في المشاهدات الدالة على علم ما ينقذ علمه من التورط في العقائد الضالة حقيق بالإنكار ، وإنكار أعمال الفكر في دلالة الأشياء على لوازمها حتى لا يقع أحد في الضلال جدير أيضا بالإنكار أو بالتقرير المشوب بإنكار كما سنفصله . والرّتق : الاتصال والتلاصق بين أجزاء الشيء . والفتق : ضده ، وهو الانفصال والتباعد بين الأجزاء .