الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
9
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أُورِثْتُمُوها في [ سورة الأعراف : 43 ] . ويطلق النداء كثيرا على الكلام الذي فيه طلب إقبال الذات لعمل أو إقبال الذهن لوعي كلام ، فلذلك سميت الحروف التي يفتتح بها طلب الإقبال حروف النداء . ويطلق على الدعاء بطلب حاجة وإن لم يكن فيه نداء لأن شأن الدعاء في المتعارف أن يكون جهرا . أي تضرعا لأنه أوقع في نفس المدعو . ومعنى الكلام : أن زكرياء قال : يا رب ، بصوت خفي . وإنما كان خفيا لأن زكرياء رأى أنه أدخل في الإخلاص مع رجائه أنّ اللّه يجيب دعوته لئلا تكون استجابته مما يتحدث به الناس ، فلذلك لم يدعه تضرعا وإن كان التضرع أعون على صدق التوجه غالبا ، فلعل يقين زكرياء كاف في تقوية التوجه ، فاختار لدعائه السلامة من مخالطة الرياء . ولا منافاة بين كونه نداء وكونه خفيا ، لأنه نداء من يسمع الخفاء . والمراد بالرحمة : استجابة دعائه ، كما سيصرح به بقوله : يا زكرياء إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى [ مريم : 7 ] . وإنما حكي في الآية وصف دعاء زكرياء كما وقع فليس فيها إشعار بالثناء على إخفاء الدعاء . [ 4 - 6 ] [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 4 إلى 6 ] قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ( 4 ) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ( 5 ) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ( 6 ) جملة قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي مبنية لجملة نادى رَبَّهُ [ مريم : 3 ] . وهي وما بعدها تمهيد للمقصود من الدعاء وهو قوله : فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا . وإنّما كان ذلك تمهيدا لما يتضمنه من اضطراره لسؤال الولد . واللّه يجيب المضطر إذا دعاه ، فليس سؤاله الولد سؤال توسع لمجرد تمتع أو فخر . ووصف من حاله ما تشتد معه الحاجة إلى الولد حالا ومآلا ، فكان وهن العظم وعموم الشيب حالا مقتضيا للاستعانة بالولد مع ما يقتضيه من اقتراب إبان الموت عادة ، فذلك مقصود لنفسه ووسيلة لغيره وهو الميراث بعد الموت . والخبران من قوله : وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً مستعملان مجازا في لازم الإخبار ، وهو الاسترحام لحاله . لأن المخبر - بفتح الباء - عالم بما تضمنه الخبران . والوهن : الضعف . وإسناده إلى العظم دون غيره مما شمله الوهن في جسده لأنه