الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

10

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أوجز في الدلالة على عموم الوهن جميع بدنه لأنّ العظم هو قوام البدن وهو أصلب شيء فيه فلا يبلغه الوهن إلّا وقد بلغ ما فوقه . والتعريف في ( العظم ) تعريف الجنس دال على عموم العظام منه . وشبّه عموم الشّيب شعر رأسه أو غلبته عليه باشتعال النار في الفحم بجامع انتشار شيء لامع في جسم أسود ، تشبيها مركبا تمثيليا قابلا لاعتبار التفريق في التشبيه ، وهو أبدع أنواع المركب . فشبه الشعر الأسود بفحم والشعر الأبيض بنار على طريق التمثيلية المكنية ورمز إلى الأمرين بفعل اشْتَعَلَ . وأسند الاشتعال إلى الرأس ، وهو مكان الشعر الذي عمّه الشيب ، لأنّ الرأس لا يعمه الشيب إلّا بعد أن يعمّ اللّحية غالبا ، فعموم الشيب في الرأس أمارة التوغل في كبر السن . وإسناد الاشتعال إلى الرأس مجاز عقلي ، لأنّ الاشتعال من صفات النار المشبه بها الشيب فكان الظاهر إسناده إلى الشيب ، فلما جيء باسم الشيب تمييزا لنسبة الاشتعال حصل بذلك خصوصية المجاز وغرابته ، وخصوصية التفصيل بعد الإجمال ، مع إفادة تنكير شَيْباً من التعظيم فحصل إيجاز بديع . وأصل النظم المعتاد : واشتعل الشيب في شعر الرأس . ولما في هذه الجملة من الخصوصيات من مبنى المعاني والبيان كان لها أعظم وقع عند أهل البلاغة نبه عليه صاحب « الكشاف » ووضحه صاحب « المفتاح » فانظرهما . وقد اقتبس معناها أبو بكر بن دريد في قوله : واشتعل المبيضّ في مسوده * مثل اشتعال النّار في جزل الغضا ولكنّه خليق بأن يكون مضرب قولهم في المثل : « ماء ولا كصدّى » . والشيب : بياض الشعر . ويعرض للشعر البياض بسبب نقصان المادة التي تعطي اللون الأصلي للشعر ، ونقصانها بسبب كبر السن غالبا ، فلذلك كان الشيب علامة على الكبر ، وقد يبيضّ الشعر من مرض . وجملة لَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا معترضة بين الجمل التمهيدية ، والباء في قوله : بِدُعائِكَ للمصاحبة .