الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

7

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والتنويه بالقرآن ولملته العربية ، وأنه بشير لأوليائه ونذير بهلاك معانديه كما هلكت قرون قبلهم . وقد تكرر في هذه السورة صفة الرحمن ست عشرة مرة ، وذكر اسم الرحمة أربع مرات ، فأنبأ بأن من مقاصدها تحقيق وصف اللّه تعالى بصفة الرحمن . والرد على المشركين الذين تقعروا بإنكار هذا الوصف كما حكى اللّه تعالى عنهم في قوله في سورة الفرقان [ 60 ] وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ . ووقع في هذه السورة استطراد بآية وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ [ مريم : 64 ] . [ 1 ] [ سورة مريم ( 19 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ كهيعص ( 1 ) حروف هجاء مرسومة بمسمياتها ومقروءة بأسمائها فكأنها كتبت لمن يتهجاها . وقد تقدم القول في مجموع نظائرها . وفي المختار من الأقوال منها في سورة البقرة وكذلك موقعها من الكلام . والأصل في النطق بهذه الحروف أن يكون كل حرف منها موقوفا عليه ، لأنّ الأصل فيها أنها تعداد حروف مستقلة أو مختزلة من كلمات . وقرأ الجمهور جميع أسماء هذه الحروف الخمسة بإخلاص الحركات والسكون بإسكان أواخر أسمائها . وقرأ أبو عمرو ، والكسائي ، وأبو بكر عن عاصم ، ويعقوب اسم الحرف الثاني وهو ها بالإمالة . وفي رواية عن نافع وابن كثير ( ها ) بحركة بين الكسر والفتح . وقرأ ابن عامر ، وحمزة ، والكسائي ( يا ) بالإمالة . وقرأ نافع ، وابن كثير ، وعاصم ، وأبو جعفر بإظهار دال ( صاد ) . وقرأ الباقون بإدغامه في ذال ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ [ مريم : 2 ] وإنما لم يمد ( ها ) و ( يا ) مع أنّ القارئ إنما ينطق بأسماء هذه الحروف التي في أوائل السور لا بمسمياتها المكتوبة أشكالها ، واسما هذين الحرفين مختومان بهمزة مخففة للوجه الذي ذكرناه في طالع سورة يونس وهو التخفيف بإزالة الهمزة لأجل السكت . واعلم أنك إن جريت على غير المختار في معاني فواتح السور ، فأما الأقوال التي جعلت الفواتح كلها متحدة في المراد فالأمر ظاهر ، وأما الأقوال التي خصت بعضها