الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
18
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فضائل يحيى . وطوي ما بين ذلك لعدم تعلق الغرض به . والسياق يدلّ عليه . والتقدير : قلنا يا يحيى خذ الكتاب . والكتاب : التوراة لا محالة ، إذ لم يكن ليحيى كتاب منزّل عليه . والأخذ : مستعار للتفهم والتدبر ، كما يقال : أخذت العلم عن فلان ، لأنّ المعتني بالشيء يشبه الآخذ . والقوة : المراد بها قوّة معنوية ، وهي العزيمة والثّبات . والباء للملابسة ، أي أخذا ملابسا للثبات على الكتاب ، أي على العمل به وحمل الأمّة على اتباعه ، فقد أخذ الوهن يتطرق إلى الأمة اليهودية في العمل بدينها . و آتَيْناهُ عطف على جملة القول المحذوفة ، أي قلنا : يا يحيى خذ الكتاب وآتيناه الحكم . والحكم : اسم للحكمة . وقد تقدم معناها في قوله تعالى : وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً في سورة البقرة [ 269 ] . والمراد بها النّبوءة ، كما تقدم في قوله تعالى : وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً في سورة يوسف [ 22 ] ، فيكون هذا خصوصية ليحيى أن أوتي النبوءة في حال صباه . وقيل : الحكم هو الحكمة والفهم . و صَبِيًّا حال من الضمير المنصوب في وَآتَيْناهُ . وهذا يقتضي أن اللّه أعطاه استقامة الفكر وإدراك الحقائق في حال الصبا على غير المعتاد ، كما أعطى نبيئه محمدا صلى اللّه عليه وسلم الاستقامة وإصابة الرأي في صباه . ويبعد أن يكون يحيى أعطي النبوءة وهو صبي ، لأن النبوءة رتبة عظيمة فإنما تعطى عند بلوغ الأشدّ . واتفق العلماء على أن يحيى أعطي النبوءة قبل بلوغ الأربعين سنة بكثير . ولعل اللّه لما أراد أن يكون شهيدا في مقتبل عمره باكره بالنبوءة . والحنان : الشفقة . ومن صفات اللّه تعالى الحنان . ومن كلام العرب : حنانيك ، أي حنانا منك بعد حنان . وجعل حنان يحيى من لدن اللّه إشارة إلى أنه متجاوز المعتاد بين الناس . والزكاة : زكاة النفس ونقاؤها من الخبائث ، كما في قوله تعالى : فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى