الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

15

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والعتيّ - بضم العين في قراءة الجمهور - مصدر عتا العود إذا يبس ، وهو بوزن فعول أصله عتوو ، والقياس فيه أن تصحح الواو لأنها إثر ضمّة ولكنهم لما استثقلوا توالي ضمتين بعدهما واوان وهما بمنزلة - ضمتين - تخلصوا من ذلك الثقل بإبدال ضمّة العين كسرة ثم قلبوا الواو الأولى ياء لوقوعها ساكنة إثر كسرة فلما قلبت ياء اجتمعت تلك الياء مع الواو التي هي لام ، وكأنهم ما كسروا التاء في عتي بمعنى اليبس إلّا لدفع الالتباس بينه وبين العتوّ الذي هو الطغيان فلا موجب لطلب تخفيف أحدهما دون الآخر . شبه عظامه بالأعواد اليابسة على طريقة المكنية ، وإثبات وصف العتي لها استعارة تخييلية . [ 9 ] [ سورة مريم ( 19 ) : آية 9 ] قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً ( 9 ) فصلت جملة قالَ كَذلِكَ لأنها جرت على طريقة المحاورة . وهي جواب عن تعجبه . والمقصود منه إبطال التعجب الذي في قوله : وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا [ مريم : 8 ] . فضمير قالَ عائد إلى الرب من قوله قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ [ مريم : 8 ] . والإشارة في قوله كَذلِكَ إلى قول زكرياء وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا . والجار والمجرور مفعول لفعل قالَ رَبُّكَ ، أي كذلك الحال من كبرك وعقر امرأتك قدّر ربّك ، ففعل قالَ رَبُّكَ مراد به القول التكويني ، أي التقديري ، أي تعلّق الإرادة والقدرة . والمقصود من تقريره التمهيد لإبطال التعجب الدال عليه قوله عَلَيَّ هَيِّنٌ ، فجملة هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ استئناف بياني جوابا لسؤال ناشئ عن قوله كَذلِكَ لأنّ تقرير منشأ التعجب يثير ترقب السامع أن يعرف ما يبطل ذلك التعجب المقرّر ، وذلك كونه هيّنا في جانب قدرة اللّه تعالى العظيمة . ويجوز أن يكون المشار إليه بقوله كَذلِكَ هو القول المأخوذ من قالَ رَبُّكَ ، أي أن قول ربّك هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ بلغ غاية الوضوح في بابه بحيث لا يبين بأكثر ما علمت ، فيكون جاريا على طريقة التشبيه كقوله تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً وقد تقدم في سورة البقرة [ 143 ] . وعلى هذا الاحتمال فجملة هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ تعليل لإبطال التعجب إبطالا مستفادا من قوله كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ ، ويكون الانتقال من الغيبة في قوله