الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
16
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
قالَ رَبُّكَ إلى التكلم في قوله هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ التفاتا . ومقتضى الظاهر : هو عليه هيّن . والهيّن - بتشديد الياء - : السهل حصوله . وجملة وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ على الاحتمالين هي في موضع الحال من ضمير الغيبة الذي في قوله هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ، أي إيجاد الغلام لك هيّن عليّ في حال كوني قد خلقتك من قبل هذا الغلام ولم تكن موجودا ، أي في حال كونه مماثلا لخلقي إياك ، فكما لا عجب من خلق الولد في الأحوال المألوفة كذلك لا عجب من خلق الولد في الأحوال النادرة إذ هما إيجاد بعد عدم . ومعنى وَلَمْ تَكُ شَيْئاً : لم تكن موجودا . وقرأ الجمهور وَقَدْ خَلَقْتُكَ بتاء المتكلّم . وقرأه حمزة ، والكسائي ، وخلف : ( وقد خلقناك ) بنون العظمة . [ 10 ] [ سورة مريم ( 19 ) : آية 10 ] قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا ( 10 ) أراد نصب علامة على وقوع الحمل بالغلام ، لأنّ البشارة لم تعيّن زمنا ، وقد يتأخر الموعود به لحكمة ، فأراد زكرياء أن يعلم وقت الموعود به . وفي هذا الاستعجال تعريض بطلب المبادرة به ، ولذلك حذف متعلّق آيَةً . وإضافة آيَتُكَ على معنى اللّام ، أي آية لك ، أي جعلنا علامة لك . ومعنى أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ أن لا تقدر على الكلام ، لأنّ ذلك هو المناسب لكونه آية من قبل اللّه تعالى . وليس المراد نهيه عن كلام الناس ، إذ لا مناسبة في ذلك للكون آية . وقد قدمنا تحقيق ذلك في سورة آل عمران . وجعلت مدة انتفاء تكليمه الناس هنا ثلاث ليال ، وجعلت في سورة آل عمران ثلاثة أيام فعلم أنّ المراد هنا ليال بأيامها وأنّ المراد في آل عمران أيام بلياليها . وأكد ذلك هنا بوصفها ب سَوِيًّا أي ثلاث ليال كاملة ، أي بأيامها . وسويّ : فعيل بمعنى مفعول ، يستوي الوصف به الواحد والواحدة والمتعدد منهما .