الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
11
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والشقيّ : الذي أصابته الشقوة ، وهي ضد السعادة ، أي هي الحرمان من المأمول وضلال السّعي . وأطلق نفي الشقاوة والمراد حصول ضدها وهو السعادة على طريق الكناية إذ لا واسطة بينهما عرفا . ومثل هذا التركيب جرى في كلامهم مجرى المثل في حصول السعادة من شيء . ونظيره قوله تعالى في هذه السورة في قصة إبراهيم : عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا [ مريم : 48 ] أي عسى أن أكون سعيدا . أي مستجاب الدعوة . وفي حديث أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم فيما يرويه عن ربّه في شأن الذين يذكرون اللّه ومن جالسهم « هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم » أي يسعد معهم . وقال بعض الشعراء ، لم نعرف اسمه وهو إسلامي : وكنت جليس قعقاع بن شور * ولا يشقى بقعقاع جليس أي يسعد به جليسه . والمعنى : لم أكن فيما دعوتك من قبل مردود الدعوة منك ، أي أنه قد عهد من اللّه الاستجابة كلما دعاه . وهذا تمهيد للإجابة من طريق غير طريق التمهيد الذي في الجمل المصاحبة له بل هو بطريق الحث على استمرار جميل صنع اللّه معه ، وتوسل إليه بما سلف له معه من الاستجابة . روي أن محتاجا سأل حاتما الطائي أو معن بن زائدة قائلا : « أنا الذي أحسنت إليّ يوم كذا » فقال : « مرحبا بمن توسل بنا إلينا » . وجملة وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي عطف على جملة وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً ، أي قاربت الوفاة وخفت الموالي من بعدي . وما روي عن ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، وأبي صالح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم مرسلا أنه قال : « يرحم اللّه زكرياء ما كان عليه من وراثة ماله » . فلعلّه خشي سوء معرفتهم بما يخلّفه من الآثار الدينية والعلمية . وتلك أعلاق يعزّ على المؤمن تلاشيها ، ولذلك قال : يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ فإن نفوس الأنبياء لا تطمح إلا لمعالي الأمور ومصالح الدين وما سوى ذلك فهو تبع . فقوله يَرِثُنِي يعني به وراثة ماله . ويؤيّده ما أخرجه عبد الرزاق عن قتادة عن الحسن أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « يرحم اللّه زكرياء ما كان عليه من وراثة ماله » . والظواهر تؤذن بأن الأنبياء كانوا يورثون ، قال تعالى : وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ