الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
87
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وقراءة الجمهور يَقُولُ بياء الغيبة - وضمير الغائب عائد إلى اللّه تعالى لدلالة المقام عليه ، وقرأ حمزة نقول بنون العظمة . واليوم الذي يقع فيه هذا القول هو يوم الحشر . والمعنى : يقول للمشركين ، كما دل عليه قوله : الَّذِينَ زَعَمْتُمْ ، أي زعمتموهم شركائي . وقدم وصفهم بوصف الشركاء قبل فعل الزعم تهكما بالمخاطبين وتوبيخا لهم ، ثم أردف بما يدل على كذبهم فيما ادعوا بفعل الزعم الدال على اعتقاد باطل . والنداء : طلب الإقبال للنصرة والشفاعة . والاستجابة : الكلام الدال على سماع النداء والأخذ في الإقبال على المنادي بنحو قول : لبيكم . وأمره إياهم بمناداة شركائهم مستعمل في معناه مع إرادة لازمه وهو إظهار باطلهم بقرينة فعل الزعم . ولذلك لم يسعهم إلا أن ينادوهم حيث قال فَدَعَوْهُمْ لطمعهم ، فإذا نادوهم تبين لهم خيبة طمعهم . ولذلك عطف فعل الدعاء بالفاء الدالة على التعقيب . وأتي به في صيغة المضي للدلالة على تعجيل وقوعه حينئذ حتى كأنه قد انقضى . والموبق : مكان الوبوق ، أي الهلاك . يقال : وبق مثل وعد ووجل وورث . والموبق هنا أريد به جهنم ، أي حين دعوا أصنامهم بأسمائهم كوّن اللّه فيما بين مكانهم ومكان أصنامهم فوهات جهنم ، ويجوز أن تكون جملة وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً جملة حال أي وقد جعلنا بينهم موبقا تمهيدا لما بعده من قوله : وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ [ الكهف : 53 ] . [ 53 ] [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 53 ] وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً ( 53 ) عطف على جملة وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً [ الكهف : 52 ] ، أي جعلنا الموبق ورآه المجرمون ، فذكر المجرمين إظهار في مقام الإضمار للدلالة على ما يفيده المجرمون من تلبسهم بما استحقوا به عذاب النار . وكذلك عبر ب ( النار ) في مقام الإضمار للموبق للدلالة على أن الموبق هو النار فهو شبيه بعطف البيان . والظن مستعمل هنا في معنى التحقق وهو من استعمالاته . ولعل اختياره هنا ضرب من التهكم بهم ؛ بأنهم رجحوا أن تلك النار أعدت لأجلهم في حين أنهم موقنون بذلك . والمواقعة : مفاعلة من الوقوع ، وهو الحصول لقصد المبالغة ، أي واقعون فيها وقوع