الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
88
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الشيء الحاصل في موقع يتطلبه فكأنه يقع هو فيه . والمصرف : مكان الصرف ، أي التخلص والمجاوزة . وفي الكلام إيجاز ، تقديره : وحاولوا الانقلاب أو الانصراف فلم يجدوا عنها مصرفا ، أي مخلصا . [ 54 ] [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 54 ] وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً ( 54 ) عطف على الجمل السابقة التي ضربت فيها أمثال من قوله : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ [ الكهف : 32 ] وقوله : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا [ الكهف : 45 ] . ولما كان في ذلك لهم مقنع وما لهم منه مدفع عاد إلى التنويه بهدي القرآن عودا ناظرا إلى قوله : وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ [ الكهف : 27 ] وقوله : وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ [ الكهف : 29 ] ؛ فأشار لهم أن هذه الأمثال التي قرعت أسماعهم هدي من جملة هدي القرآن الذي تبرموا منه . وتقدم الكلام على نظير هذه الآية عند قوله : وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً في سورة الإسراء [ 89 ] ؛ سوى أنه يتجه هنا أن يسأل لم قدم في هذه الآية أحد متعلقي فعل التصريف على الآخر إذ قدم هنا قوله : فِي هذَا الْقُرْآنِ على قوله : لِلنَّاسِ عكس آية سورة الإسراء . وهو ما أشرنا إليه عند الآية السابقة من أن ذكر القرآن أهم من ذكر الناس بالأصالة ، ولا مقتضي للعدول عنه هنا بل الأمر بالعكس لأن الكلام جار في التنويه بشأن القرآن وأنه ينزل بالحق لا بهوى الأنفس . والناس : اسم عام لكل من يبلغه القرآن في سائر العصور المستقبلة ، والمقصود على الخصوص المشركون ، كما دل عليه جملة وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا ، فوزانه وزان قوله : وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً [ الإسراء : 89 ] ، وسيجيء قوله : وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ [ الكهف : 56 ] . وهذا يشبه العام الوارد على سبب خاص وقرائن خاصة . وجملة وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا تذييل ، وهو مؤذن بكلام محذوف على وجه الإيجاز ، والتقدير : فجادلوا فيه وكان الإنسان أكثر جدلا ، فإن الإنسان اسم لنوع بني آدم ، وحرف ( ال ) فيه لتعريف الحقيقة فهو أوسع عموما من لفظ الناس . والمعنى : أنهم جادلوا . والجدال : خلق ، منه ذميم يصد عنه تأديب الإسلام ويبقى في خلق المشركين ،