الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

36

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ عطف على بقية القصة ، وما بينهما اعتراض . والخطاب فيه كالخطاب في قوله : وَتَرَى الشَّمْسَ [ الكهف : 17 ] . وهذا انتقال إلى ما في حالهم من العبرة لمن لو رآهم من الناس مدمج فيه بيان كرامتهم وعظيم قدرة اللّه في شأنهم ، وهو تعجيب من حالهم لمن لو رآه من الناس . ومعنى حسبانهم أيقاظا : أنهم في حالة تشبه حال اليقظة وتخالف حال النوم ، فقيل : كانت أعينهم مفتوحة . وصيغ فعل تَحْسَبُهُمْ مضارعا للدلالة على أن ذلك يتكرر مدة طويلة . والأيقاظ : جمع يقظ ، بوزن كتف ، وبضم القاف بوزن عضد . والرقود : جمع راقد . والتقليب : تغيير وضع الشيء من ظاهره إلى باطنه ، قال تعالى : فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ [ الكهف : 42 ] . و ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ أي إلى جهة أيمانهم وشمائلهم . والمعنى : أنّ اللّه أجرى عليهم حال الأحياء الأيقاظ فجعلهم تتغير أوضاعهم من أيمانهم إلى شمائلهم والعكس ، وذلك لحكمة لعل لها أثرا في بقاء أجسامهم بحالة سلامة . والإتيان بالمضارع للدلالة على التجدد بحسب الزمن المحكي . ولا يلزم أن يكونوا كذلك حين نزول الآية . وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ هذا يدل على أن تقليبهم لليمين وللشمال كرامة لهم بمنحهم حالة الأحياء وعناية بهم ، ولذلك لم يذكر التقليب لكلبهم بل استمر في مكانه باسطا ذراعيه شأن جلسة الكلب . والوصيد : مدخل الكهف ، شبه بالباب الذي هو الوصيد لأنه يوصد ويغلق . وعدم تقليب الكلب عن يمينه وشماله يدل على أن تقليبهم ليس من أسباب سلامتهم من البلى وإلا لكان كلبهم مثلهم فيه بل هو كرامة لهم . وقد يقال : إنهم لم يفنوا وأما كلبهم ففني وصار رمة مبسوطة عظام ذراعيه .