الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
37
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً الخطاب لغير معين ، أي لو اطلعت عليهم أيها السامع حين كانوا في تلك الحالة قبل أن يبعثهم اللّه ، إذ ليس في الكلام أنهم لم يزالوا كذلك زمن نزول الآية . والمعنى : لو اطلعت عليهم ولم تكن علمت بقصتهم لحسبتهم لصوصا قطاعا للطريق ، إذ هم عدد في كهف وكانت الكهوف مخابئ لقطاع الطريق ، كما قال تأبط شرا : أقول للحيان وقد صفّرت لهم * وطابي يومي ضيّق الجحر معور ففررت منهم وملكك الرعب من شرهم ، كقوله تعالى : نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً [ هود : 70 ] . وليس المراد الرعب من ذواتهم إذ ليس في ذواتهم ما يخالف خلق الناس ، ولا الخوف من كونهم أمواتا إذ لم يكن الرعب من الأموات من خلال العرب ، على أنه قد سبق وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ . والاطلاع : الإشراف على الشيء ورؤيته من مكان مرتفع ، لأنه افتعال من طلع إذا ارتقى جبلا ، فصيغ الافتعال للمبالغة في الارتقاء ، وضمن معنى الإشراف فعدي ب ( على ) ، ثم استعمل مجازا مشهورا في رؤية الشيء الذي لا يراه أحد ، وسيأتي ذكر هذا الفعل عند قوله تعالى : أَطَّلَعَ الْغَيْبَ في سورة مريم [ 78 ] ، فضلا عن أن يكون الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . وفي « الكشاف » عن ابن عباس ما يقتضي ذلك وليس بصحيح . وانتصب فِراراً على المفعول المطلق المبين لنوع لَوَلَّيْتَ . و لَمُلِئْتَ مبني للمجهول ، أي ملاك الرعب وملّا بتشديد اللام مضاعف ملا وقرئ بهما . والملء : كون المظروف حالا في جميع فراغ الظرف بحيث لا تبقى في الظرف سعة لزيادة شيء من المظروف ، فمثلت الصفة النفسية بالمظروف ، ومثل عقل الإنسان بالظرف ، ومثل تمكن الصفة من النفس بحيث لا يخالطها تفكير في غيرها بملء الظرف بالمظروف ، فكان في قوله : لَمُلِئْتَ استعارة تمثيلية ، وعكسه قوله تعالى : وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً [ القصص : 10 ] . وانتصب رُعْباً على تمييز النسبة المحول عن الفاعل في المعنى لأن الرعب هو الذي يملأ ، فلما بني الفعل إلى المجهول لقصد الإجمال ثم التفصيل صار ما حقه أن يكون فاعلا تمييزا . وهو إسناد بديع حصل منه التفصيل بعد الإجمال ، وليس تمييزا محولا